الفصل الثاني : في المصاهرة
وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهن أربع : زوجات الآباء والأصل فيه قوله تعالى : * ( ولا
تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) * الآية . وزوجات الأبناء والأصل في ذلك أيضا قوله
تعالى : * ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) * وأمهات النساء أيضا ، والأصل في ذلك
قوله تعالى : * ( وأمهات نسائكم ) * وبنات الزوجات ، والأصل فيه قوله تعالى : * ( وربائبكم
اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) * فهؤلاء الأربع اتفق المسلمون على
تحريم اثنتين منهن بنفس العقد ، وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء ، وواحدة بالدخول وهي
ابنة الزوجة واختلفوا منها في موضعين : أحدهما هل من شرطها أن تكون في حجر الزوج ،
والثانية هل تحرم بالمباشرة للأم للذة أو بالوطئ ؟ . وأما أم الزوجة فإنهم اختلفوا هل تحرم
بالوطئ أو بالعقد على البنت فقط ؟ واختلف أيضا من هذا الباب في مسألة رابعة ، وهي هل
يوجب الزنا في هذا التحريم ما يوجبه النكاح الصحيح أو النكاح بشبهة ؟ فهنا أربع مسائل :
المسألة الأولى : وهي هل من شرط تحريم بنت الزوجة أن تكون في حجر الزوج
أم ليس ذلك من شرطه ؟ فإن الجمهور على أن ذلك ليس من شرط التحريم ، وقال داود : ذلك
من شرطه ، ومبنى الخلاف هل قوله تعالى : * ( اللاتي في حجوركم ) * وصف له تأثير في
الحرمة أوليس له تأثير ، وإنما خرج مخرج الموجود أكثر ؟ فمن قال خرج مخرج الموجود
الأكثر وليس هو شرطا في الربائب ، إذ لا فرق في ذلك بين التي في حجره أو التي
ليست في حجره . قال : تحرم الربيبة بإطلاق ، ومن جعله شرطا غير معقول المعنى قال : لا
تحرم إلا إذا كانت في حجره .
المسألة الثانية : وأما هل تحرم البنت بمباشرة الأم فقط أو بالوطئ ؟ فإنهم اتفقوا على
أن حرمتها بالوطئ . واختلفوا فيما دون الوطئ من اللمس والنظر إلى الفرج لشهوة أو لغير
شهوة هل ذلك يحرم أم لا ؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث بن سعد : إن
اللمس لشهوة يحرم الأم . وهو أحد قولي الشافعي ، وقال داود والمزني : لا يحرمه إلا
الوطئ وهو أحد قولي الشافعي المختار عنده ، والنظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ
إلى أي عضو كان ، وفيه عنه خلاف ، ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط ، وحمل
الثوري النظر محمل اللمس ولم يشترط اللذة ، وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى والشافعي
في أحد قوليه فلم يوجب في النظر شيئا . وأوجب في اللمس . ومبنى الخلاف : هل
المفهوم من اشتراط الدخول في قوله تعالى : * ( اللاتي دخلتم بهن ) * الوطئ أو التلذذ بما
دون الوطئ ؟ فإن كان التلذذ فهل يدخل فيه النظر أم لا ؟
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 27
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٧