كتاب القراض
ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض ، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الاسلام .
وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه
العامل من ربح المال ، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا ، وأن هذا مستثنى من
الإجارة المجهولة ، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس ، وأنه لا ضمان على
العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد ، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد .
وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه ،
وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي . وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير
والدراهم ، واختلفوا في غير ذلك . وبالجملة فالنظر فيه : في صفته وفي محله وفي شروطه وفي
أحكامه ، ونحن نذكر في باب باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائله .
الباب الأول : في محله
أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها ، وأما محله فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير
والدراهم ، واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض
بالعروض ، وجوزه ابن أبي ليلى ، وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لأنه
يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده وهو يساوي قيمة غيرها ، فيكون رأس المال والربح
مجهولا . وأما إن كأنه رأس المال ما به يباع العروض ، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا ، وأجازه
أبو حنيفة . وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها ، فكأنه
قراض ومنفعة ، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول ، فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول .
ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك
من البيع ، وحينئذ ينض رأس مال القراض ، وكذلك إن أعطاه العرض الذي اشتراه به ،
ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز ، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى ، بل هو الظاهر من
قولهم ، فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطى الرجل ثوبا يبيعه ، فما كان فيه من ربح فهو بينهما ،
وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب ، ويشبه أيضا إن جعل رأس