بالدخول أو الموت . أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى : * ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج
وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) * الآية . وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه
دليلا مسموعا إلا انعقاد الاجماع على ذلك . واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول
المسيس أم ليس ذلك من شرطه . بل يجب بالدخول والخلوة ، وهو الذي يعنون بإرخاء
الستور ؟ فقال مالك والشافعي وداود : لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن
المسيس ، وقال أبو حنيفة : يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرما أو مريضا أو
صائما في رمضان أو كانت المرأة حائضا ، وقال ابن أبي ليلى : يجب المهر كله بالدخول
ولم يشترط في ذلك شيئا . وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حكم الصحابة في ذلك
لظاهر الكتاب ، وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها المنكوحة أنه ليس يجوز أن
يؤخذ من صداقها شئ في قوله تعالى : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى
بعض ) * ، ونص في المطلقة قبل المسيس أن لها نصف الصداق ، فقال تعالى : * ( وإن
طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) * وهذا نص
كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين : أعني قبل المسيس وبعد المسيس ولا
وسط بينهما ، فوجب بهذا إيجابا ظاهرا أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس ، والمسيس ههنا
الظاهر من أمره أنه الجماع ، وقد يحتمل أن يحمل على أصله في اللغة وهو المس ، ولعل
هذا هو الذي تأولت الصحابة ، ولذلك قال مالك في العنين المؤجل : إنه قد وجب لها
الصداق عليه إذا وقع الطلاق لطول مقامه معها ، فجعل له دون الجماع تأثيرا في إيجاب
الصداق . وأما الاحكام الواردة في ذلك عن الصحابة فهو أن من أغلق بابا أو أرخى سترا
فقد وجب عليه الصداق ، لم يختلف عليهم في ذلك فيما حكموا . واختلفوا من هذا الباب
ففرع ، وهو إذا اختلفا في المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس ، وذلك مثل أن تدعي
هي المسيس وينكر هو ، فالمشهور عن مالك أن القول قولها ، وقيل : إن كان دخول بناء
صدقت ، وإن كان دخول زيارة لم تصدق ، وقيل إن كانت بكرا نظر إليها النساء ، فيتحصل
فيها في المذهب ثلاثة أقوال . وقال الشافعي وأهل الظاهر : القول قوله ، وذلك لأنه مدعى
عليه ، ومالك ليس يعتبر في وجوب اليمين على المدعى عليه من جهة ما هو مدعى عليه ،
بل من جهة ما هو أقوى شبهة في الأكثر ، ولذلك يجعل القول في مواضع كثيرة قول
المدعي إذ كان أقوى شبهة . وهذا الخلاف يرجع إلى : هل إيجاب اليمين على المدعى عليه :
معلل أو غير معلل ؟ وكذلك القول في وجوب البينة على المدعي ، وسيأتي هذا في مكانه .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 19
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٩