الثمن بنفس العقد . فمالك رأى أن الثمن إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من العوض ،
والشافعي كأنه رأى أن تأخره من باب الدين بالدين . ومن ذلك اختلافهم فيمن اكترى دابة
أو دارا وما أشبه ذلك ، هل له أن يكري ذلك بأكثر مما اكتراه ؟ فأجازه مالك والشافعي
وجماعة قياسا على البيع ، ومنع ذلك أبو حنيفة وأصحابه . وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم
يضمن ، لان ضمان الأصل هو من ربه : أعني من المكري . وأيضا فإنه من باب بيع ما لم
يقبض ، وأجاز ذلك بعض العلماء إذا أحدث فيها عملا . وممن لم يكره ذلك إذا وقع بهذه
الصفة سفيان الثوري ، والجمهور رأوا أن الإجارة في هذا شبيهة بالبيع . ومنها أن يكري
الدار من الذي أكراها منه ، فقال مالك : يجوز ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وكأنه رأى أنه إذا
كان التفاضل بينهما في الكراء فهو من باب أكل المال بالباطل . ومنها إذا اكترى أرضا
ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة أو دونه ، فقال مالك :
له ذلك ، وقال داود : ليس له ذلك . ومنها اختلافهم في كنس مراحيض الدور المكتراة ،
فالمشهور عن ابن القاسم أنه على أرباب الدور ، وروي عنه أنه على المكتري ، وبه قال
الشافعي ، واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها قوم وتخرج قوم فقال : الكنس
في هذه على رب الدار . ومنها اختلاف أصحاب مالك في الانهدام اليسير من الدار ، هل
يلزم رب الدار إصلاحه ، أم ليس يلزم ؟ وينحط عنه من الكراء ذلك القدر ؟ فقال ابن القاسم :
لا يلزمه ، وقال غيره من أصحابه يلزمه . وفروع هذا الباب كثيرة ، وليس قصدنا التفريع
في هذا الكتاب .
الجملة الثانية : وهي النظر في أحكام الطوارئ
الفصل الأول منه : وهو النظر في الفسوخ
فنقول : إن الفقهاء اختلفوا في عقد الإجارة ، فذهب الجمهور إلى أنه عقد لازم ،
وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة . والذين قالوا إنه عقد لازم اختلفوا
فيما ينفسخ به ، فذهب جماعة فقهاء الأمصار : مالك والشافعي وسفيان الثوري وأبو ثور
وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب
محل استيفاء المنفعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز فسخ عقد الإجارة للعذر الطارئ
على المستأجر ، مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق . وعمدة الجمهور
قوله تعالى : * ( أوفوا بالعقود ) * لان الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح ، ولأنه عقد على
معارضة فلم ينفسخ أصله البيع . وعمدة أبي حنيفة أنه شبه ذهاب ما به تستوفي المنفعة
بذهاب العين التي فيها المنفعة . وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء في غير مخصوص