رسول الله ( ص ) : اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا والذين أباحوه قاسوه
على الأفعال غير الواجبة ، وهذا هو سبب الاختلاف ، أعني هل هو واجب أم ليس
بواجب ؟
وأما الاستئجار على تعليم القرآن فقد اختلفوا فيه أيضا ، وكرهه قوم ، وأجازه
آخرون . والذين أباحوه قاسوه على سائر الأفعال ، واحتجوا بما روي عن خارجة بن
الصامت عن عمه قال : أقبلنا من عند رسول الله ( ص ) ، فأتينا على حي من أحياء العرب
فقالوا : إنكم جئتم من عند هذا الرجل فهل عندكم دواء أو رقية ، فإن عندنا معتوها في
القيود ، فقلنا لهم نعم ، فجاؤوا به ، فجعلت أقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية
أجمع بريقي ثم أتفل عليه ، فكأنما أنشط من عقال ، فأعطوني جعلا ، فقلت لا حتى أسأل
رسول الله ( ص ) ، فسألته فقال : كل فلعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حقا
وبما روي عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله ( ص ) كانوا في غزاة ، فمروا بحي
من أحياء العرب ، فقالوا : هل عندكم من راق ، فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له ،
قال : فرقى رجل بفاتحة الكتاب فبرئ ، فأعطي قطيعا من الغنم ، فأبى أن يقبلها ، فسأل عن
ذلك رسول الله ( ص ) فقال : بم رقيته ؟ قال : بفاتحة الكتاب . قال : وما يدريك أنها رقية ؟
قال : ثم قال رسول الله ( ص ) : خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم . وأما الذين كرهوا الجعل
على تعليم القرآن فقالوا : هو من باب الجعل على تعليم الصلاة . قالوا : ولم يكن الجعل
المذكور في الإجارة على تعليم القرآن وإنما كان على الرقي ، وسواء أكان الرقي
بالقرآن أو غيره الاستئجار عليه عندنا جائز كالعلاجات . قالوا : وليس واجبا على الناس ،
وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس .
وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب ، فأجاز مالك أن يكري الرجل فحله
على أن ينزو أكواما معلومة . ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي . وحجة من لم يجز
ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ومن أجازه شبهه بسائر المنافع ، وهذا ضعيف
لأنه تغليب القياس على السماع . واستئجار الكلب أيضا هو من هذا الباب ، وهو لا يجوز
عند الشافعي ولا عند مالك ، والشافعي يشترط في جواز استئجار المنفعة أن تكون متقومة
على انفرادها ، فلا يجوز استئجار تفاحة للشم ، ولا طعام لتزيين الحانوت ، إذ هذه المنافع
ليس لها قيم على انفرادها ، فهو لا يجوز عند مالك ولا عند الشافعي . ومن هذا الباب
اختلاف المذهب في إجارة الدراهم والدنانير ، وبالجملة كل ما لا يعرف بعينه ، فقال ابن
القاسم : لا يصح إجارة هذا الجنس وهو قرض ، وكان أبو بكر الأبهري وغيره يزعم أن
ذلك يصح وتلزم الأجرة فيه ، وإنما منع من إجارتها ، لأنه لم يتصور فيها منفعة إلا
بإتلاف عينها ، ومن أجاز إجارتها تصور فيها منفعة ، مثل أن يتجمل بها أو يتكثر أو غير
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 181
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٨١