عنه . ووجه قول ابن حبيب أنه استثنى عضوا معينا معلوما ، فلم يضره ما عليه من الجلد
أصله شراء الحب في سنبله والجوز في قشره . وأما إن كان المستثنى من الحيوان بشرط
الذبح إما عرفا وإما ملفوظا به جزءا مقدرا مثل أرطال من جزور ، فعن مالك في ذلك
روايتان : إحداهما : المنع ، وهي رواية ابن وهب ، والثانية : الإجازة في الأرطال اليسيرة
فقط ، وهي رواية ابن القاسم . وأجمعوا من هذا الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه
واستثناء نخلات معينات منه قياسا على جواز شرائها . واتفقوا على أنه لا يجوز أن
يستثني من حائط له عدة نخلات غير معينات إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع ، لأنه
بيع ما لم يره المتبايعان واختلفوا في الرجل يبيع الحائط ويستثنى منه عدة نخلات
بعد البيع ، فمنعه الجمهور لمكان اختلاف صفة النخيل ، وروي عن مالك إجازته ،
ومنع ابن القاسم قوله في النخلات وأجازه في استثناء الغنم . وكذلك اختلف قول
مالك وابن القاسم في شراء نخلات معدودة من حائطه على أن يعينها بعد الشراء
المشتري فأجازه مالك ومنعه ابن القاسم . وكذلك اختلفوا إذا استثنى البائع مكيلة من
حائط ، قال أبو عمر بن عبد البر : فمنع ذلك فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى عليهم ،
وألفت الكتاب على مذاهبهم لنهيه ( ص ) عن الثنيا في البيع ، لأنه استثناء مكيل من
جزاف ، وأما مالك وسلفه من أهل المدينة فإنهم أجازوا ذلك فيما دون الثلث ومنعوه
فيما فوقه ، وحملوا النهي عن الثنيا على ما فوق الثلث ، وشبهوا بيع ما عدا المستثنى
ببيع الصبرة التي لا يعلم مبلغ كيلها فتباع جزافا ويستثنى منها كيل ما ، وهذا الأصل
أيضا مختلف فيه ، أعني إذا استثني منها كيل معلوم واختلف العلماء من هذا الباب في
بيع وإجارة معا في عقد واحد ، فأجازه مالك وأصحابه ، ولم يجزه الكوفيون ولا
الشافعي ، لان الثمن يرون أنه يكون حينئذ مجهولا ، ومالك يقول إذا كانت الإجارة
معلومة لم يكن الثمن مجهولا ، وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة .
وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف أو البيع كما قلنا . واختلف قول مالك في إجازة
السلف والشركة ، فمرة أجاز ذلك ومرة منعه ، وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافهم
بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها ، فمن قويت عنده علة المنع
في مسألة منها منعها ، ومن لم تقو عنده أجازها ، وذلك راجع إلى ذوق المجتهد ، لأن هذه
المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها ، ولعل في
أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابا ، ولهذا ذهب بعض العلماء
في أمثال هذه المسائل إلى التخيير .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 132
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٢