جائز . فسبب الخلاف : هل ما يقابل العرض من الجنس الربوي ينبغي أن يكون مساويا له في
القيمة أو يكفي فذلك رضا البائع ؟ فمن قال الاعتبار بمساواته في القيمة قال : لا يجوز
لمكان الجهل بذلك ، لأنه إذا لم يكن العرض مساويا لفضل أحد الربويين على الثاني كان
التفاضل ضرورة ، مثال ذلك أنه إن باع كيلين من تمر بكيل وثوب فقد يجب أن تكون قيمة
الثوب تساوي الكيل ، وإلا وقع التفاضل ضرورة . وأما أبو حنيفة فيكتفي في ذلك بأن
يرضى به المتبايعان ، ومالك يعتبر أيضا في هذا سد الذريعة ، لأنه إنما جعل جاعل ذلك
ذريعة إلى بيع الصنف الواحد متفاضلا ، فهذه مشهورات مسائلهم في هذا الجنس .
باب : في بيوع الذرائع الربوية
وهنا شئ يعرض للمتبايعين : إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان ، وللمتبايعين
إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشئ الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما من
غير قصد إلى ذلك تبايع ربوي ، مثل أن يبيع انسان من انسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم
يشتريها منه بعشرين إلى أجل ، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الامر على أن
أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل ، وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال . فنذكر
من ذلك مسألة في الإقالة ، ومسألة من بيوع الآجال إذ كان هذا الكتاب ليس المقصود به
التفريع ، وإنما المقصود فيه تحصيل الأصول .
مسألة : لم يختلفوا أن من باع شيئا ما كأنك قلت : عبدا بمائة دينار مثلا إلى أجل ، ثم
ندم البائع فسأل المبتاع أن يصرف إليه مبيعه ويدفع إليه عشرة دنانير مثلا نقدا أو إلى أجل
أن ذلك يجوز وأنه لا بأس بذلك ، وأن الإقالة عندهم إذا دخلتها الزيادة والنقصان هي بيع
مستأنف ، ولا حرج في أن يبيع الانسان الشئ بثمن ثم يشتريه بأكثر منه ، لأنه في هذه
المسألة اشترى منه البائع الأول العبد الذي باعه بالمائة التي وجبت له وبالعشرة مثاقيل التي
زادها نقدا أو إلى أجل ، وكذلك لا خلاف بينهم لو كان البيع بمائة دينار إلى أجل والعشرة
مثاقيل نقدا أو إلى أجل . وأما إن ندم المشتري في هذه المسألة وسأل الإقالة على أن
يعطي البائع العشرة المثاقيل نقدا أو إلى أجل أبعد من الاجل الذي وجبت فيه المسألة ، فهنا
اختلفوا ، فقال مالك : لا يجوز . وقال الشافعي : يجوز ووجه ما كره من ذلك مالك أن ذلك
ذريعة إلى قصد بيع الذهب بالذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض بذهب . لان
المشتري دفع العشرة مثاقيل والعبد في المائة دينار التي عليه ، وأيضا يدخله بيع وسلف
كأن المشتري باعه العبد بتسعين وأسلفه عشرة إلى الاجل الذي يجب عليه قبضها من نفسه
لنفسه . وأما الشافعي فهذا عنده كله جائز لأنه شراء مستأنف ، ولا فرق عنده بين هذه
المسألة وبين أن تكون لرجل على رجل مائة دينار مؤجلة ، فيشتري منه غلاما بالتسعين
دينارا التي عليه ويتعجل له عشرة دنانير ، وذلك جائز بإجماع . قال : وحمل الناس على التهم
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 114
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٤