أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر بالهاجرة وفي حديث خباب أنهم شكوا
حر الرمضاء ، فلم يشكهم ، خرجه مسلم ، قال زهير راوي الحديث قلت لأبي إسحاق -
شيخه - أفي الظهر ؟ قال : نعم ، قلت : أفي تعجيلها ؟ قال نعم . فرجح قوم حديث الابراد ، إذ
هو نص ، وتأولوا هذه الأحاديث إذ ليست بنص ، وقوم رجحوا هذه الأحاديث لعموم ما
روي من قوله عليه الصلاة والسلام : وقد سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة لأول
ميقاتها والحديث متفق عليه ، وهذه الزيادة فيه ، أعني لأول ميقاتها مختلف فيها .
المسألة الثانية : اختلفوا من صلاة العصر في موضعين : أحدهما : في اشتراك أول وقتها
مع آخر وقت صلاة الظهر . والثاني : في آخر وقتها ، فأما اختلافهم في الاشتراك فإنه اتفق
مالك والشافعي ، وداود ، وجماعة على أن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر وذلك
إذا صار ظل كل شئ مثله ، إلا أن مالكا يرى أن آخر وقت الظهر ، وأول وقت العصر ، هو
وقت ركعات . وأما الشافعي وأبو ثور
وداود ، فآخر وقت الظهر عندهم ، هو الآن الذي هو أول وقت العصر ، وهو زمان غير منقسم .
وقال أبو حنيفة - كما قلنا - أول وقت العصر أن يصير ظل كل شئ مثليه . وقد تقدم سبب
اختلاف أبي حنيفة معهم في ذلك . وأما سبب اختلاف مالك مع الشافعي ، ومن قال بقوله
في هذه فمعارضة حديث جبريل في هذا المعنى لحديث عبد الله بن عمر : وذلك أنه جاء
في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام الظهر في اليوم الثاني في الوقت
الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول . وفي حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام :
وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر خرجه مسلم . فمن رجح حديث جبريل ، جعل
الوقت مشتركا ، ومن رجح حديث عبد الله ، لم يجعل بينهما اشتراكا ، وحديث جبريل أمكن
أن يصرف إلى حديث عبد الله من حديث عبد الله إلى حديث جبريل ، لأنه يحتمل أن يكون
الراوي تجوز في ذلك لقرب ما بين الوقتين . وحديث إمامة جبريل صححه الترمذي
وحديث ابن عمر خرجه مسلم . وأما اختلافهم في آخر وقت العصر ، فعن مالك في ذلك
روايتان : إحداهما : أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شئ مثليه ، وبه قال الشافعي . والثانية : أن
آخر وقتها ما لم تصفر الشمس ، وهذا قول أحمد بن حنبل وقال أهل الظاهر : آخر وقتها
قبل غروب الشمس بركعة . والسبب في اختلافهم : أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة
الظاهر . أحدها : حديث عبد الله بن عمر خرجه مسلم وفيه : فإذا صليتم العصر ، فإنه وقت إلى
أن تصفر الشمس وفي بعض رواياته : وقت العصر ما لم تصفر الشمس . والثاني : حديث
ابن عباس في إمامة جبريل وفيه : أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل
شئ مثليه . والثالث حديث أبي هريرة المشهور من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب
لا شمس ، فقد أدرك العصر ، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 80
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٨٠