آخر الطهر ، وفي حديث أم سلمة أيضا ، وقد سألته عليه الصلاة والسلام : هل تنقض ضفر
رأسها لغسل الجنابة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنما يكفيك أن تحثي على رأسك الماء
ثلاث حثيات ، ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت وهو أقوى في اسقاط التدلك ،
من تلك الأحاديث الاخر ، لأنه لا يمكن هنالك أن يكون الواصف لطهره قد ترك التدلك
وأما هاهنا فإنما حصر لها شروط الطهارة ، ولذلك أجمع العلماء على أن صفة الطهارة الواردة
من حديث ميمونة وعائشة هي أكمل صفاتها ، وأن ما ورد في حديث أم سلمة من ذلك ، فهو
من أركانها الواجبة ، وأن الوضوء في أول الطهر ليس من شرط الطهر إلا خلافا شاذا ، روي
عن الشافعي ، وفيه قوة من جهة ظواهر الأحاديث ، وفي قول الجمهور قوة من جهة النظر ،
لأن الطهارة ظاهر من أمرها أنها شرط في صحة الوضوء ، لا أن الوضوء شرط في صحتها ،
فهو من باب معارضة القياس الأحاديث على القياس ، فذهب قوم كما قلنا إلى ظاهر الأحاديث ،
وغلبوا ذلك على قياسها على الوضوء ،
فلم يوجبوا التدلك ، وغلب آخرون قياس هذه الطهارة على الوضوء على ظاهر هذه
الأحاديث ، فأوجبوا التدلك كالحال في الوضوء . فمن رجح القياس صار إلى إيجاب
التدلك ، ومن رجح ظاهر الأحاديث على القياس صار إلى اسقاط التدلك ، وأعني
بالقياس ، قياس الطهر على الوضوء . وأما الاحتجاج من طريق الاسم ففيه ضعف إذ كان
اسم الطهر والغسل ينطلق في كلام العرب على المعنيين جميعا على حد سواء .
المسألة الثانية : اختلفوا هل من شروط هذه الطهارة النية أم لا ؟ كاختلافهم في
الوضوء ، فذهب مالك والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور وداود وأصحابه إلى أن النية من شروطها
وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنها تجزئ بغير نية كالحال في الوضوء عندهم .
وسبب اختلافهم : في الطهر هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء ، وقد تقدم ذلك .
المسألة الثالثة : اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في هذه الطهارة أيضا كاختلافهم
فيهما في الوضوء ، أعني هل هما واجبان فيها أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنهما غير واجبين
فيها ، وذهب قوم إلى وجوبهما ، وممن ذهب إلى عدم وجوبهما مالك والشافعي وممن
ذهب إلى وجوبهما أبو حنيفة وأصحابه . وسبب اختلافهم : معارضة ظاهر حديث أم سلمة
للأحاديث التي نقلت من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام في طهره ، وذلك أن الأحاديث
التي نقلت من صفة وضوئه في الطهر فيها المضمضة والاستنشاق وحديث أم سلمة ليس
فيه أمر لا بمضمضة ، ولا باستنشاق . فمن جعل حديث عائشة وميمونة مفسرا لمجمل
حديث أم سلمة ، ولقوله تعالى : * ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) * أوجب المضمضة
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 40
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٤٠