الاسلام ، فإذا قيل على هذا إن التسمية من شرط التذكية وجب أن لا تؤكل ذبائحهم بالشك
في ذلك . وأما إذا علم أنهم ذبحوا ذلك لأعيادهم وكنائسهم فإن من العلماء من كرهه ،
وهو قول مالك ، ومنهم من أباحه ، وهو قول أشهب ، ومنهم من حرمه ، وهو الشافعي .
وسبب اختلافهم : تعارض عمومي الكتاب في هذا الباب ، وذلك أن قوله تعالى : * ( وطعام
الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) * يحتمل أن يكون مخصصا لقوله تعالى : * ( وما أهل لغير
الله به ) * ويحتمل أن يكون قوله تعالى : * ( وما أهل لغير الله به ) * مخصصا لقوله تعالى :
* ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) * إذ كان كل واحد منهما يصح أن يستثنى من الآخر ،
فمن جعل قوله تعالى : * ( وما أهل لغير الله به ) * مخصصا لقوله تعالى : * ( وطعام الذين أوتوا
الكتاب حل لكم ) * قال : لا يجوز ما أهل به للكنائس والأعياد ، ومن عكس الامر قال :
يجوز . وأما إذا كانت الذبيحة مما حرمت عليهم ، فقيل يجوز ، وقيل لا يجوز ، وقيل
بالفرق بين أن تكون محرمة عليهم بالتوراة أو من قبل أنفسهم ، أعني بإباحة ما ذبحوا مما
حرموا على أنفسهم ومنع ما حرم الله عليهم ، وقيل يكره ولا يمنع . والأقاويل الأربعة
موجودة في المذهب : المنع عن ابن القاسم ، والإباحة عن ابن وهب وابن عبد الحكم ،
والتفرقة عن أشهب . وأصل الاختلاف : معارضة عموم الآية لاشتراط نية الذكاة : أعني
اعتقاد تحليل الذبيحة بالتذكية ، فمن قال ذلك شرط في التذكية قال : لا تجوز هذه
الذبائح لأنهم لا يعتقدون تحليلها بالتذكية ، ومن قال ليس بشرط فيها وتمسك بعموم الآية
المحللة قال : تجوز هذه الذبائح . وهذا بعينه هو سبب اختلافهم في أكل الشحوم من
ذبائحهم ، ولم يخالف في ذلك أحد غير مالك وأصحابه ، فمنهم من قال :
إن الشحوم محرمة وهو قول أشهب ، ومنهم من قال مكروهة ، والقولان عن مالك ، ومنهم من قال مباحة . ويدخل في الشحوم سبب آخر من أسباب الخلاف سوى معارضة العموم
لاشتراط اعتقاد تحليل الذبيحة بالذكاة ، وهو هل تتبعض التذكية أو تتبعض ؟ فمن قال
تتبعض قال : لا تؤكل الشحوم ، ومن قال لا تتبعض قال : يؤكل الشحم . ويدل على
تحليل شحوم ذبائحهم حديث عبد الله بن مغفل إذ أصاب جراب الشحم يوم خيبر ، وقد
تقدم في كتاب الجهاد . ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم وبين ما
حرموا على أنفسهم قال : ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة ، وما حرموا
على أنفسهم هو أمر باطل فتعمل فيه التذكية . قال القاضي : والحق أن ما حرم عليهم أو
حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة الاسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع ،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 363
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦٣