المسألة الأولى : اختلفوا في الواجب في النذر المطلق الذي ليس يعين فيه الناذر شيئا
سوى أن يقول : لله علي نذر ، فقال كثير من العلماء : في ذلك كفارة يمين لا غير ، وقال
قوم : بل فيه كفارة الظهار ، وقال قوم : أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب صيام يوم أو
صلاة ركعتين . وإنما صار الجمهور لوجوب كفارة اليمين فيه للثابت من حديث عقبة بن
عامر أنه عليه الصلاة والسلام قال : كفارة النذر كفارة يمين خرجه مسلم . وأما من قال
صيام يوم أو صلاة ركعتين فإنما ذهب مذهب من يرى أن المجزئ أقل ما ينطلق عليه
الاسم ، وصلاة ركعتين أو صيام يوم أقل ما ينطلق عليه اسم النذر . وأما من قال فيه كفارة
الظهار فخارج عن القياس والسماع .
المسألة الثانية : اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله ، أعني إذا نذر المشي
راجلا . واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق فقال قوم : لا شئ عليه ، وقال قوم : عليه
. واختلفوا في ماذا على ثلاثة أقوال : فذهب أهل المدينة إلى أن عليه أن يمشي مرة
أخرى من حيث عجز ، وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم ، وهذا مروي عن علي . وقال أهل
مكة : عليه هدي دون إعادة مشي . وقال مالك : عليه الأمران جميعا . يعني أنه يرجع فيمشي
من حيث وجب ، وعليه هدي ، والهدي عنده بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة .
وسبب اختلافهم : منازعة الأصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها ، وذلك أن من شبه العاجز
إذا مشى مرة ثانية بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما كان عليه في سفرين في سفر
واحد ، وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين قال : يجب عليه هدي القارن أو
المتمتع ، ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب عنها في الحج إراقة الدم قال : فيه دم ، ومن
أخذ بالآثار الواردة في هذا الباب قال : إذا عجز فلا شئ عليه . قال أبو عمر :
والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة . وهو كما قال ، وأحدها حديث
عقبة بن عامر الجهني قال : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز وجل فأمرتني أن
أستفتي لها رسول الله ( ص ) ، فاستفتيت لها النبي ( ص ) فقال : لتمش ولتركب خرجه
مسلم . وحديث أنس بن مالك : أن رسول الله ( ص ) رأى رجلا يهادي بين ابنتيه ، فسأل عنه
فقالوا : نذر أن يمشي ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ،
وأمره أن يركب وهذا أيضا ثابت .
المسألة الثالثة : اختلفوا بعد اتفاقهم على لزوم المشي في حج أو عمرة فيمن نذر أن
يمشي إلى مسجد النبي ( ص ) أو إلى بيت المقدس يريد بذلك الصلاة فيهما ، فقال مالك
والشافعي : يلزمه المشي ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه شئ وحيث صلى أجزأه ، وكذلك
عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام ، وإنما وجب عنده المشي إلى المسجد
الحرام لمكان الحج والعمرة وقال أبو يوسف صاحبه : من نذر أن يصلي في بيت
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 342
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٤٢