إن شاء الله فدل هذا أن الاستثناء حال لليمين لا مانع لها من الانعقاد . قالوا : ومن
الدليل على أنه حال بالقرب أنه لكان حالا بالبعد على ما رواه ابن عباس لكان الاستثناء
يغني عن الكفارة . والذي قالوه بين . وأما اشتراط النطق باللسان فإنه اختلف فيه ، فقيل لا
بد فيه من اشتراط اللفظ أي لفظ كان من ألفاظ الاستثناء وسواء أكان بألفاظ الاستثناء أو
بتخصيص العموم أو بتقييد المطلق ، هذا هو المشهور . وقيل إنما ينفع الاستثناء بالنية
بغير لفظ في حرف إلا فقط : أي بما يدل عليه لفظ إلا وليس ينفع ذلك فيما سواه من
الحروف . وهذه التفرقة ضعيفة . والسبب في هذا الاختلاف : هو هل تلزم العقود اللازمة
بالنية فقط دون اللفظ أو باللفظ والنية معا مثل الطلاق والعتق واليمين وغير ذلك .
وأما المسألة الثانية : وهي هل تنفع النية الحادثة في الاستثناء بعد انقضاء اليمين ؟
فقيل أيضا في المذهب إنها تنفع إذا حدثت متصلة باليمين ، وقيل بل إذا حدثت قبل أن
يتم النطق باليمين . وقيل بل استثناء على ضربين : استثناء من عدد ، واستثناء من عموم
بتخصيص أو من مطلق بتقييد ، فالاستثناء من العدد لا ينفع فيه إلا حدوث النية قبل النطق
باليمين ، والاستثناء من العموم ينفع فيه حدوث النية بعد اليمين إذا وصل الاستثناء نطقا
باليمين . وسبب اختلافهم : هل الاستثناء مانع للعقد أو حال له ؟ فإن قلنا إنه مانع فلا
بد من اشتراط حدوث النية في أول اليمين ، وإن قلنا إنه حال لم يلزم ذلك ، وقد أنكر
عبد الوهاب أن يشترط حدوث النية في أول اليمين للاتفاق وزعم على أن الاستثناء حال
لليمين كالكفارة سواء .
الفصل الثاني من القسم الأول في تعريف الايمان
التي يؤثر فيها الاستثناء وغيرها
وقد اختلفوا في الايمان التي يؤثر فيها استثناء مشيئة الله من التي لا يؤثر فيها . فقال
مالك وأصحابه : لا تؤثر المشيئة إلا في الايمان التي تكفر وهي اليمين بالله عندهم أو
النذر المطلق على ما سيأتي . وأما الطلاق والعتاق فلا يخلو أن يعلق الاستثناء في ذلك
بمجرد الطلاق أو العتق فقط مثل أن يقول : هي طالق إن شاء الله أو عتيق إن شاء الله .
وهذه ليست عندهم يمينا . وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط مثل أن يقول : إن كان
كذا فهي طالق إن شاء الله ، أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله . فأما القسم الأول : فلا
خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه . وأما القسم الثاني : وهو اليمين بالطلاق
ففي المذهب فيه قولان أصحهما إذا صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به
الطلاق صح وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم يصح ، قال أبو حنيفة والشافعي : الاستثناء
يؤثر في ذلك كله سواء قرنه بالقول الذي مخرجه الشرط ، أو بالقول الذي مخرجه مخرج
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 332
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٣٢