اختلافهم في بناء الآي والحديث . وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف .
وسبب اختلافهم : هو هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه والاسم
فقط ، أو يعدى إلى الصفات والأفعال لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود
كثير ، وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن
محمد بن المواز . وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله عز وجل ، والحديث نص في مخالفة
هذا المذهب .
الفصل الثاني : في معرفة الايمان اللغوية والمنعقدة
واتفقوا أيضا على أن الايمان منها لغو ، ومنها منعقدة لقوله تعالى : * ( لا يؤاخذكم
الله باللغو في أيمانك ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ) * واختلفوا فيما هي اللغو ؟
فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها اليمين على الشئ يظن الرجل أنه على يقين منه فيخرج
الشئ على خلاف ما حلف عليه وقال الشافعي : لغو اليمين ما لم تنعقد عليه النية مثل ما
جرت به العادة من قول الرجل في أثناء المخاطبة : لا والله ، لا بالله ، مما يجري على الألسنة
بالعادة من غير أن يعتقد لزومه ، وهذا القول رواه مالك في الموطأ عن عائشة والقول
الأول : مروي عن الحسن ابن أبي الحسن وقتادة ومجاهد وإبراهيم النخعي . وفيه قول
ثالث ، وهو أن يحلف الرجل وهو غضبان . وبه قال إسماعيل القاضي من أصحاب مالك .
وفيه قول رابع ، وهو الحلف على المعصية وروي عن ابن عباس . وفيه قول خامس ،
وهو أن يحلف الرجل على أن لا يأكل شيئا مباحا له بالشرع . والسبب في اختلافهم في
ذلك : هو الاشتراك الذي في اسم اللغو ، وذلك أن اللغو قد يكون الكلام الباطل مثل قوله
تعالى : * ( والغوا فيه لعلكم تغلبون ) * وقد يكون الكلام الذي لا تنعقد عليه نية المتكلم
به ، ويدل على أن اللغو في الآية هو هذا أن هذه اليمين هي ضد اليمين المنعقدة وهي
المؤكدة ، فوجب أن يكون الحكم المضاد للشئ المضاد . والذين قالوا إن اللغو هو
الحلف في إغلاق أو الحلف على ما يوجب الشرع فيه شيئا بحسب ما يعتقد في ذلك
قوم ، فإنما ذهبوا إلى أن اللغو ههنا يدل على معنى عرفي في الشرع وهي الايمان التي
بين الشرع في مواضع أخرى سقوط حكمها مثل ما روي أنه : لا طلاق في إغلاق وما
أشبه ذلك ، لكن الأظهر هما القولان الأولان : أعني قول مالك والشافعي .
الفصل الثالث : في معرفة الايمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها
وهذا الفصل أربع مسائل :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 328
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٢٨