كل شئ قبل أن يطو ف بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي ، ثم لم يعلم أن رسول الله ( ص )
أمر أحدا من الصحابة ولا ممن كان معه أن يقضي شيئا ولا أن يعود لشئ وعمدة من
أوجب عليه الإعادة أن رسول الله ( ص ) اعتمر في العام المقبل من عام الحديبية قضاء
لتلك العمرة ولذلك قيل لها عمرة القضاء . وإجماعهم أيضا على أن المحصر بمرض أو
ما أشبهه عليه القضاء . فسبب الخلاف هو هل قضى رسول الله ( ص ) أو لم يقض ؟ وهل
يثبت القضاء بالقياس أم لا ؟ وذلك أن جمهور العلماء على أن القضاء يجب بأمر ثان غير
أمر الأداء . وأما من أوجب عليه الهدي فبناء على أن الآية وردت في المحصر بالعدو ،
أو على أنها عامة لان الهدي فيها نص ، وقد احتج هؤلاء بنحر النبي ( ص ) وأصحابه الهدي
عام الحديبية حين أحصروا . وأجاب الفريق الآخر أن ذلك الهدي لم يكن هدي تحلل ،
وإنما كان هديا سبق ابتداء ، وحجة هؤلاء أن الأصل هو أن لا هدي عليه إلا أن يقوم
الدليل . وأما اختلافهم في مكان الهدي عند من أوجبه فالأصل فيه اختلافهم في موضع
نحر رسول الله ( ص ) هديه عام الحديبية ، فقال ابن إسحاق : نحره في الحرم ، وقال غيره :
إنما نحره في الحل ، واحتج بقوله تعالى : * ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام
والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) * وإنما ذهب أبو حنيفة إلى أن من أحصر عن الحج أن
عليه حجا وعمرة لان المحصر قد فسخ الحج في عمرة ولم يتم واحدا منهما ، فهذا هو
حكم المحصر بعدو عند الفقهاء . وأما المحصر بمرض ، فإن مذهب الشافعي وأهل
الحجاز أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي ما بين الصفا والمروة ، وأنه بالجملة يتحلل
بعمرة ، لأنه إذا فاته الحج بطول مرضه انقلب عمرة ، وهو مذهب ابن عمر وعائشة وابن
عباس وخالف في ذلك أهل العراق فقالوا : يحل مكانه وحكمه حكم المحصر بعدو ،
أعني أن يرسل هديه ويقدر يوم نحره ويحل في اليوم الثالث وبه قال ابن مسعود .
واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من
كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى وباجماعهم على أن المحصر بعدو ليس من
شرط إحلاله الطواف بالبيت . والجمهور على أن المحصر بمرض عليه الهدي . وقال أبو
ثور وداود : لا هدي عليه اعتمادا على ظاهر هذا المحصر . وعلى أن الآية الواردة
في المحصر هو حصر العدو ، وأجمعوا على إيجاب القضاء عليه ، وكل من فاته الحج بخطأ
من العدد في الأيام أو بخفاء الهلال عليه أو غير ذلك من الاعذار فحكمه حكم المحصر
بمرض عند مالك . وقال أبو حنيفة : من فاته الحج بعذر غير المرض يحل بعمرة ولا هدي
عليه ، وعليه إعادة الحج ، والمكي المحصر بمرض عند مالك كغير المكي يحل بعمرة وعليه
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 285
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٨٥