أن اعتكاف رسول الله ( ص ) إنما وقع في رمضان فمن رأى أن الصوم المقترن باعتكافه ، هو
شرط في الاعتكاف ، وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه قالا : لا بد من الصوم مع
الاعتكاف ، ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقا ، لا على أن ذلك كان مقصودا له عليه الصلاة
والسلام في الاعتكاف قال : ليس الصوم من شرطه ، ولذلك أيضا سبب آخر ، وهو اقترانه
مع الصوم في آية واحدة وقد احتج الشافعي بحديث عمر المتقدم ، وهو أنه أمره عليه
الصلاة والسلام أن يعتكف ليلة ، والليل ليس بمحل للصيام . واحتجت المالكية بما روى
عبد الرحمن بن إسحاق عن عروة عن عائشة أنها قالت : السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا ،
ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ، ولا يباشرها ، ولا يخرج إلا ما لا بد له منه ، ولا اعتكاف إلا
بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع . قال أبو عمر بن عبد البر : لم يقل أحد في حديث
عائشة هذا السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق ، ولا يصح هذا الكلام عندهم إلا من قول
الزهري وإن كان الامر هكذا ، بطل أن يجري مجرى المسند . وأما الشرط الثالث ، وهي
المباشرة ، فإنهم أجمعوا : على أن المعتكف إذا جامع عامدا بطل اعتكافه ، إلا ما روي عن ابن
لبابة في غير المسجد واختلفوا فيه إذا جامع ناسيا . واختلفوا أيضا : في فساد الاعتكاف بما
دون الجماع من القبلة ، واللمس ، فرأى مالك أن جميع ذلك يفسد الاعتكاف وقال أبو
حنيفة : وليس في المباشرة فساد إلا أن ينزل وللشافعي قولا : أحدهما : مثل قول مالك ،
والثاني : مثل قول أبي حنيفة . وسبب اختلافهم : هل الاسم المتردد بين الحقيقة ، والمجاز ،
له عموم ، وخصوص ؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك ، فمن ذهب إلى أن له عموما قال : إن
المباشرة في قوله تعالى : * ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) * ينطلق على
الجماع ، وما دون الجماع ، ومن لم ير عموما ، وهو الأشهر الأكثر قال : يدل إما على الجماع ،
وإما على ما دون الجماع ، فإذا قلنا : إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير
الجماع ، لان الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة ، والمجاز معا ، ومن أجرى الانزال بمنزلة
الوقاع فلانه في معناه ، ومن خالف ، فلانه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة . واختلفوا فيما يجب
على المجامع ، فقال الجمهور : لا شئ عليه وقال قوم : عليه كفارة ، فبعضهم قال :
كفارة المجامع في رمضان وبه قال الحسن وقال قوم : يتصدق بدينارين ، وبه قال
مجاهد وقال قوم يعتق رقبة ، فإن لم يجد ، أهدى بدنة ، فإن لم يجد ، تصدق بعشرين صاعا
من تمر . وأصل الخلاف هل يجوز القياس في الكفارة ، أم لا ؟ والأظهر أنه لا يجوز .
واختلفوا في مطلق النذر بالاعتكاف : هل من شرطه التتابع أم لا ؟ فقال مالك ، وأبو حنيفة
ذلك من شرطه وقال الشافعي : ليس من شرطه ذلك . والسبب في اختلافهم : قياسه على
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 254
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٥٤