لا تتناقض ، وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة ، والسجود قبل السلام في
النقصان ، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع ، كما هو في هذا الموضع ،
قالوا : وهو أولى من حمل الأحاديث على الجمع ، والترجيح ، فقال : يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله ( التعارض ص ) على النحو الذي
سجد فيها رسول الله ( ص ) ، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع ، وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله ( ص ) ، فالحكم فيها السجود قبل السلام ، فكأنه قاس على المواضع
التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام قبل السلام ، ولم يقس على المواضع التي سجد فيها
بعد السلام ، وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ما سجد فيها ، فمن جهة أنه أبقى
حكم هذه المواضع على ما وردت عليه وجعلها متغايرة الاحكام هو ضرب من الجمع ،
ورفع للتعارض بين مفهومها ، ومن جهة أنه عدى مفهوم بعضها دون بعض ، وألحق به
المسكوت عنه ، فذلك ضرب من الترجيح : أعني أنه قاس على السجود الذي قبل السلام ،
ولم يقس على الذي بعده ، وأما من لم يفهم من هذه الأفعال حكما خارجا عنها ، وقصر
حكمها على أنفسها ، وهم أهل الظاهر ، فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط . وأما
أحمد بن حنبل فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر ، ونظر أهل القياس ، وذلك أنه اقتصر
بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده ، وعدي السجود
الذي ورد في المواضع التي قبل السلام ، ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من
جهة القياس : أعني لأصحاب القياس . وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر
الخلاف الذي يوجبه القياس ، كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا
في الأقل ، وذلك إما من حيث هي مشهورة ، وأصل لغيرها ، وإما من حيث هي كثيرة
الوقوع . والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله ( ص ) : أحدها : أنه قام من اثنتين على
ما جاء في حديث ابن بحينة ، والثاني : أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي
اليدين ، والثالث : أنه صلى خمسا على ما في حديث ابن عمر خرجه مسلم والبخاري .
والرابع : أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين ، والخامس السجود
عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري . وسيأتي بعد ، واختلفوا لماذا يجب
سجود السهو ؟ فقيل يجب للزيادة والنقصان ، وهو الأشهر وقيل للسهو نفسه ، وبه قال
أهل الظاهر والشافعي .
الفصل الثالث
وأما الأقوال والأفعال التي يسجد لها ، فإن القائلين بسجود السهو لكل نقصان ، أو
زيادة وقعت في الصلاة على طريق السهو اتفقوا على أن السجود يكون عن سنن الصلاة
دون الفرائض ، ودون الرغائب فالرغائب لا شئ عندهم فيها : أعني إذا سها عنها في
الصلاة ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة ، مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 155
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٥