كذلك ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل اليسرى كذلك ، ثم قال :
هكذا رأيت رسول الله ( ص ) يتوضأ . وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل ، لأنه إذا
تردد اللفظ بين المعنيين على السواء ، وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل ، وإن
كانت إلى في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى مع ، وكذلك اسم اليد أظهر
فيما دون العضد منه فيما فوق العضد ، فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية
أرجح ، وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين ، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب ،
والمسألة محتملة كما ترى . وقد قال قوم : إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت
فيه ، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه .
المسألة السادسة من التحديد : اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض
الوضوء ، واختلفوا في القدر المجزئ منه . فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله .
وذهب الشافعي ، وبعض أصحاب مالك ، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض ، ومن
أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث ، ومنهم من حده بالثلثين وأما أبو حنيفة فحده
بالربع وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح ، فقال : إن مسحه بأقل من ثلاثة
أصابع لم يجزه . وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ، ولا في الممسوح حدا . وأصل هذا
الاختلاف : الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب ، وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل
قوله تعالى : * ( تنبت بالدهن ) * على قراءة من قرأ تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت ،
ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل : أخذت بثوبه ، وبعضده ، ولا معنى لانكار هذا في
كلام العرب ، أعني : كون الباء مبعضة ، وهو قول الكوفيين من النحويين . فمن رآها زائدة ،
أوجب مسح الرأس كله ، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكدة ، ومن رآها مبعضة ، أوجب مسح
بعضه . وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة : أن النبي عليه الصلاة والسلام
توضأ ، فمسح بناصيته ، وعلى العمامة خرجه مسلم . وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضا
احتمال آخر ، وهو هل الواجب الاخذ بأوائل الأسماء ، أو بأواخرها .
المسألة السابعة من الاعداد : اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء
المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ ، وأن الاثنين ، والثلاث مندوب إليهما ، لما صح : أنه ( ص )
توضأ مرة مرة ، وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ولان الامر ليس يقتضي إلا الفعل
مرة مرة أعني : الامر الوارد في الغسل في آية الوضوء . واختلفوا في تكرير مسح الرأس
هل هو فضيلة ، أم ليس في تكريره فضيلة ؟ فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا
يمسح رأسه أيضا ثلاثا ، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره . وسبب
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 14
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٤