الجماعة كلهم وفضل منه حتى فرقه بركة من الله
الكريم حلت فيه بفضائل الحديث الشريف .
وقيل إن الأوزاعي وأي بشر بن مالك يلتبط في
المعيشة فقال : أراك تطلب الرزق ، الا أدلك على أم
متعيش ، قال : وما أم متعيش ؟ قال : تنيس ما
لزمها أقطع اليدين إلا ربته ، قال بشر : فلزمتها
فكسبت فيها أربعة آلاف ، وقيل : إن المسيح ،
عليه السلام ، عبر بها في سياحته فرأى أرضا سبخة
مالحة قفرة والماء الملح محيط بها ، فدعا لأهلها
بإدرار الرزق عليهم .
قال : وسميت تنيس باسم تنيس بنت دلوكة الملكة ،
وهي العجوز صاحبة حائط العجوز بمصر ، فإنها أول
من بنى بتنيس وسمتها باسمها وكانت ذات حدائق
وبساتين ، وأجرت النيل إليها ، ولم يكن هناك بحر ،
فلما ملك در كون بن ملوطس وزمطرة من أولاد
العجوز دلوكة فخافا من الروم ، فشقا من بحر
الظلمات خليجا يكون حاجزا بين مصر والروم
فامتد وطغى وأخرب كثيرا من البلاد العامرة
والأقاليم المشهورة ، فكان فيما أتى عليها أحنة تنيس
وبساتينها وقراها ومزارعها ، ولما فتحث مصر في
سنة عشرين من الهجرة كانت تنيس حينئذ خصاصا
من قصب ، وكان بها الروم ، وقاتلوا أصحاب عمرو ،
وقتل بها جماعة من المسلمين ، وقبورهم معروفة
بقبور الشهداء عند الرمل فوق مسجد غازي وجانب
الأكوام ، وكانت الوقعة عند قبة أبي جعفر بن زيد ،
وهي الآن تعرف بقبة الفتح ، وكانت تنيس تعرف
بذات الأخصاص إلى صدر من أيام بني أمية ، ثم إن
أهلها بنوا قصورا ولم تزل كذلك إلى صدر من أيام
بني العباس ، فبني سورها كما ذكرنا ، دخلها أحمد
ابن طولون في سنة 269 ، فبنى بها عدة صهاريج
وحوانيت في السوق كثيرة وتعرف بصهاريج
الأمير .
وأما صفتها فهي جزيرة في وسط بحيرة مفردة عن
البحر الأعظم يحيط بهذا البحيرة البحر من كل جهة ،
وبينها وبين البحر الأعظم بر آخر مستطيل ، وهي
جزيرة بين البحرين ، وأول هذا البر قرب الفرما
والطينة ، وهناك فوهة يدخل منها ماء البحر الأعظم
إلى بحيرة تنيس في موضع يقال له القرباج ، فيه
مراكب تعبر من بر الفرما إلى البر المستطيل الذي
ذكرنا أنه يحول بين البحر الأعظم وبجبرة تنيس ،
يسار في ذلك البر نحو ثلاثة أيام إلى قرب دمياط ،
وهناك أيضا فوهة أخرى تأخذ من البحر الأعظم إلى
بحيرة تنيس ، وبالقرب من ذلك فوهة النيل الذي
يلقي إلى بحيرة تنيس ، فإذا تكاملت زيادة النيل غلبت
حلاوته على ماء البحر فصارت البحيرة حلوة ، فحينئذ
يدخر أهل تنيس المياه في صهاريجهم ومصانعه لسنتهم ،
وكان لأهل الفرما قنوات تحت الأرض تسوق إليهم
الماء إذا حلت البحيرة ، وهي ظاهرة إلى الأرض ،
وصورتها في الصفحة المقابلة .
قال صاحب تاريخ تنيس : ولتنيس موسم يكون
فيه من أنواع الطيور ما لا يكون في موضع آخر ،
وهي مائز ونيف وثلاثون صنفا ، وهي : السلوى ،
القبج المملوح ، والنصطفير ، الزرزور ، الباز الرومي ،
الصفري ، الدبسي ، البلبل ، السقاء ، القمري ،
الفاختة ، النواح ، الزريق ، النوبي ، الزاغ ، الهدهد ،
الحسيني ، الجرادي ، الأبلق ، الراهب الخشاف ،
البزين ، السلسلة ، درداري ، الشماص ، البصبص ،
الأخضر ، الأبهق ، الأزرق ، الخضير ، أبو الحناء ،
أبو كلب ، أبو دينار ، وارية الليل ، وارية النهار ،
برقع أم علي ، برقع أم حبيب ، الدوري ، الزنجي ،
معجم البلدان — صفحة 52
مساهمون: ياقوت الحموي
ص٥٢