المقتدر بالله أمير المؤمنين ، فقال : كيف يجوز أن
يقال ؟ فقلت : يذكر اسمك واسم أبيك ، فقال : إن
أبي كان كافرا وأنا أيضا ما أحب أن يذكر اسمي
إذ كان الذي سماني به كافرا ، ولكن ما اسم مولاي
أمير المؤمنين ؟ فقلت : جعفر ، قال : فيجوز أن
أتسمى باسمه ؟ قلت : نعم ، فقال : قد جعلت
اسمي جعفرا واسم أبي عبد الله ، وتقدم إلى الخطيب
بذلك ، فكان يخطب : اللهم أصلح عبدك جعفر بن عبد
الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين ، قال : ورأيت في
بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة ، من ذلك أن
أول ليلة بتناها في بلده رأيت قبل مغيب الشمس
بساعة أفق السماء وقد احمر احمرارا شديدا وسمعت
في الجو أصواتا عالية وهمهمة ، فرفعت رأسي فإذا
غيم أحمر مثل النار قريب مني ، فإذا تلك الهمهمة
والأصوات منه وإذا فيه أمثال الناس والدواب وإذا
في أيدي الأشباح التي فيه قسي ورماح وسيوف ،
وأتبينها وأتخيلها وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها
رجالا أيضا وسلاحا ودواب ، فأقبلت هذه القطعة على
هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة ، ففزعنا من هذه
وأقبلنا على التضرع والدعاء وأهل البلد يضحكون
منا ويتعجبون من فعلنا ، قال : وكنا ننظر إلى
القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعا ساعة ثم
تفترقان ، فما زال الامر كذلك إلى قطعة من الليل
ثم غابتا ، فسألنا الملك عن ذلك فزعم أن أجداده
كانوا يقولون هؤلاء من مؤمني الجن وكفار هم يقتتلون
كل عشية ، وأنهم ما عدموا هذا منذ كانوا في كل
ليلة . قال : ودخلت أنا وخياط كان للملك من أهل
بغداد قبتي لنتحدث ، فتحدثنا بمقدار ما يقر الانسان
نصف ساعة ونحن ننتظر أذان العشاء ، فإذا بالأذان
فخرجنا من القبة وقد طلع الفجر ، فقلت للمؤذن :
أي شئ أذنت ؟ قال : الفجر ، قلت : فعشاء
الأخيرة ؟ قال : نصليها مع المغرب ، قلت : فالليل ؟
قال : كما ترى وقد كان أقصر من هذا وقد أخذ
الآن في الطول ، وذكر أنه منذ شهر ما نام الليل
خوفا من أن تفوته صلاة الصبح ، وذلك أن الانسان
يجعل القدر على النار وقت المغرب ثم يصلي الغداة
وما آن لها أن تنضج ، قال : ورأيت النهار عندهم
طويلا جدا ، وإذا أنه يطول عندهم مدة من السنة
ويقصر الليل ، ثم يطول الليل ويقصر النهار ، فلما
كانت الليلة الثانية جلست فلم أر فيها من الكواكب
إلا عددا يسيرا ظننت أنها فوق الخمسة عشر كوكبا
متفرقة ، وإذا الشفق الأحمر الذي قبل المغرب لا
يغيب بتة ، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل
الرجل فيه من أكثر من غلوة سهم ، قال : والقمر
إنما يطلع في أرجاء السماء ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب
القمر ، قال : وحدثني الملك أن وراء بلده بمسيرة
ثلاثة أشهر قوما يقال لهم ويسو ، الليل عندهم أقل من
ساعة ، قال : ورأيت البلد عند طلوع الشمس يحمر
كل شئ فيه من الأرض والجبال ، وكل شئ ينظر
الانسان إليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى
فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبد السماء . وعرفني
أهل البلد أنه إذا كان الشتاء عاد الليل في طول النهار
وعاد النهار في قصر الليل ، حتى إن الرجل منا ليخرج
إلى نهر يقال له إتل بيننا وبينه أقل من مسافة فرسخ
وقت الفجر فلا يبلغه إلى العتمة إلى وقت طلوع
الكواكب كلها حتى تطبق السماء ، ورأيتهم
يتبركون بعواء الكلب جدا ويقولون : تأتي عليهم
سنة خصب وبركة وسلامة .
ورأيت الحيات عندهم كثيرة حتى إن الغصن من الشجر
ليلتف عليه عشر منها وأكثر ، ولا يقتلونها ولا
معجم البلدان — صفحة 487
مساهمون: ياقوت الحموي
ص٤٨٧