الرمح نحوها علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك
الجهة ، فلا يطول عليه الوقت حتى ترد عليه الاخبار
بأن خارجيا قد هجم من تلك الناحية ، قلت أنا :
هكذا ذكر الخطيب وهو من المستحيل والكذب
الفاحش ، وإنما يحكى مثل هذا عن سحرة مصر
وطلسمات بليناس التي أوهم الأغمار صحتها تطاول
الأزمان والتخيل أن المتقدمين ما كانوا بني آدم ،
فأما الملة الاسلامية فإنها تجل عن مثل هذه الخرافات ،
فإن من المعلوم أن الحيوان الناطق مكلف الصنائع
لهذا التمثال لا يعلم شيئا مما ينسب إلى هذا الجماد ولو
كان نبيا مرسلا ، وأيضا لو كان كلما توجهت إلى
جهة خرج منها خارجي لوجب أن لا يزال خارجي
يخرج في كل وقت لأنها لابد أن تتوجه إلى وجه
من الوجوه ، والله أعلم ، قال : وسقط رأس هذه القبة
سنة 329 ، وكان يوم مطر عظيم ورعد هائل ، وكانت
هذه القبة تاج البلد وعلم بغداد ومأثرة من مآثر بني
العباس ، وكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون
سنة ، وثقل المنصور أبوابها من واسط ، وهي أبواب
الحجاج ، وكان الحجاج أخذها من مدينة بإزاء واسط
تعرف بزند ورد ، يزعمون أنها من بناء سليمان بن
داود ، عليه السلام ، وأقام على باب خراسان بابا
جئ به من الشام من عمل الفراعنة وعلى باب الكوفة
بابا جئ به من الكوفة من عمل خالد القسري وعمل
هو بابا لباب الشام ، وهو أضعفها ، وكان لا يدخل أحد
من عمومة المنصور ولا غيرهم من شئ من الأبواب إلا
راجلا إلا داود بن علي عمه ، فإنه كان متفرسا وكان
يحمل في محفة ، وكذلك محمد المهدي ابنه ، وكانت
تكنس الرحاب في كل يوم ويحمل التراب إلى خارج ،
فقال له عمه عبد الصمد : يا أمير المؤمنين أنا شيخ
كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب ، فلم
يأذن له ، فقال : يا أمير المؤمنين عدني بعض بغال
الروايا التي تصل إلى الرحاب ، فقال : يا ربيع بغال
الروايا تصل إلى رحابي تتخذ الساعة قني بالساج من
باب خراسان حتى تصل إلى قصري ، ففعل ومد
المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة وقناة
من نهر كرخايا الآخذ من الفرات وجرهما إلى
مدينته في عقود وثيقة ، من أسفلها محكمة بالصاروج
والآجر من أعلاها ، فكانت كل قناة منها تدخل
المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب والأرباض ، تجري
صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها في شئ من الأوقات ، ثم
أقطع المنصور أصحابه القطائع فعمروها وسميت
بأسمائهم ، وقد ذكرت من ذلك ما بلغني في مواضعه
حسب ما قضى به ترتيب الحروف ، وقد صنف في بغداد
وسعتها وعظم رفعتها وسعة بقعتها وذكر أبو بكر
الخطيب في صدر كتابه من ذلك ما فيه كفاية . لطالبه .
فلنذكر الآن ما ورد في مدح بغداد
ومن عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت قال :
أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع ،
ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس ،
فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها وكثرة
عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها ثم قلت : وأخبرك
خلة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين ، قال : وما
هي ؟ قلت : نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت بها خليفة
أبدا حتف أنفه ، قال : فتبسم وقال الحمد لله على
ذلك ، هذا من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم ، ولذلك يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن
جرير بن الخطفى :
أعاينت في طول من الأرض أو عرض ،
كبغداد من دار بها مسكن الخفض
معجم البلدان — صفحة 460
مساهمون: ياقوت الحموي
ص٤٦٠