المثنى بن حارثة يغير بناحية الحيرة ، فلما قدم خالد
ابن الوليد البصرة من اليمامة والبحرين مجتازا إلى
الكوفة بالحيرة ، سنة اثنتي عشرة ، أعانه على حرب
من هنالك وخلف سويدا ، ويقال : إن خالدا لم
يرحل من البصرة حتى فتح الخريبة ، وكانت مسلحة
للأعاجم ، وقتل وسبى ، وخلف بها رجلا من بني
سعد بن بكر بن هوازن يقال له شريح بن عامر ،
ويقال : إنه أتى نهر المراة ففتح القصر صلحا . وكان
الواقدي ينكر أن خالدا مر بالبصرة ويقول : إنه حين
فرغ من أمر اليمامة والبحرين قدم المدينة ثم سار منها
إلى العراق على طريق فيد والثعلبية ، والله أعلم . ولما
بلغ عمر بن الخطاب خبر سويد بن قطبة وما
يصنع بالبصرة رأى أن يوليها رجلا من قبله ،
فولاها عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب بن نسيب ،
أحد بني مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ، حليف
بني نوفل بن عبد مناف ، وكان من المهاجرين
الأولين ، أقبل في أربعين رجلا ، منهم نافع بن
الحارث بن كلدة الثقفي وأبو بكرة وزياد ابن أبيه
وأخت لهم ، وقال له عمر : إن الحيرة قد فتحت
فأت أنت ناحية البصرة وأشغل من هناك من
أهل فارس والأهواز وميسان عن إمداد إخوانهم .
فأتاها عتبة وانضم إليه سويد بن قطبة فيمن معه من
بكر بن وائل وتميم .
قال نافع بن الحارث : فلما أبصرتنا الديادبة خرجوا
هرابا وجئنا القصر فنزلناه ، فقال عتبة : ارتادوا
لنا شيئا نأكله . قال : فدخلنا الأجمة فإذا زنبيلان
في أحدهما تمر وفي الآخر أرز بقشره ، فجذبناهما
حتى أدنينا هما من القصر وأخرجنا ما فيهما ، فقال
عتبة : هذا سم أعده لكم العدو ، يعني الأرز ، فلا
تقربنه ، فأخرجنا التمر وجعلنا نأكل منه ، فإننا
لكذلك إذا بفرس قد قطع قياده وأتى ذلك الأرز
يأكل منه ، فلقد رأينا أن نسعى بشفارنا نريد ذبحه
قبل أن يموت ، فقال صاحبه : امسكوا عنه ، أحرسه
الليلة فإن أحسست بموته ذبحته . فلما أصبحنا إذا
الفرس يروث لا بأس عليه ، فقالت أختي : يا أخي
إني سمعت أبي يقول : إن السم لا يضر إذا نضج ،
فأخذت من الأرز توقد تحته ثم نادت : الا انه يتفصى
من حبيبة حمراء ، ثم قالت : قد جعلت تكون
بيضاء ، فما زالت تطبخه حتى أنماط قشره فألقيناه في
الجفنة ، فقال عتبة : اذكروا اسم الله عليه وكلوه ،
فأكلوا منه فإذا هو طيب ، قال : فجعلنا بعد نميط عنه
قشره ونطبخه ، فلقد رأيتني بعد ذلك وأنا أعده
لولدي ، ثم قال : إنا التأمنا فبلغنا ستمائة رجل وست
نسوة إحداهن أختي . وأمد عمر عتبة بهرثمة بن
عرفجة ، وكان بالبحرين فشهد بعض هذه الحروب
ثم سار إلى الموصل ، قال : وبنى المسلمون بالبصرة
سبع دساكر : اثنتان بالخريبة واثنتان بالزابوقة وثلاث
في موضع دار الأزد اليوم ، وفي غير هذه الرواية أنهم
بنوها بلبن : في الخريبة اثنتان وفي الأزد اثنتان
وفي الزابوقة واحدة وفي بني تميم اثنتان ، ففرق أصحابه
فيها ونزل هو الخريبة . قال نافع : ولما بلغنا ستمائة
قلنا : ألا نسير إلى الأبلة فإنها مدينة حصينة ،
فسرنا إليها ومعنا العنز ، وهي جمع عنزة وهي
أطول من العصا وأقصر من الرمح وفي رأسها زج ،
وسيوفنا ، وجعلنا للنساء رايات على قصب وأمرناهن
أن يثرن التراب وراءنا حين يرون أنا قد دنونا
من المدينة ، فلما دنونا منها صففنا أصحابنا ، قال :
وفيها ديادبتهم وقد أعدوا السفن في دجلة ، فخرجوا
إلينا في الحديد مسومين لا نرى منهم إلا الحدق ،
قال : فوالله ما خرج أحدهم حتى رجع بعضهم إلى
معجم البلدان — صفحة 431
مساهمون: ياقوت الحموي
ص٤٣١