تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلدان — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
سلَّط الله عليها الزمهرير الذي يعذب به أهل جهنم ، مع ما يحتاج الإنسان منها إليه من الدثار والمؤن المجحفة . فوجوهكم يا أهل همذان متشققة ، وأنوفكم سائلة ، وأطرافكم خضرة ، وثيابكم متّسخة وروائحكم قذرة ، ولحاكم دخانية ( 1 ) ، وسبلكم منقطعة ، والفقر عليكم ظاهر والمستور في بلدكم مهتوك . لأن شتاءكم يهدم الحيطان ويبرز الحصان ويفسد الطرق ويشعث الآطام . فطرقكم وحلة تتهافت فيها الدواب ، وتقذر فيها الثياب وتتحطم الإبل وتنخسف فيها الآبار وتغيض المياه ، وتكف السطوح وتهيج الرياح العواصف ، وتكون فيها الزلازل والخسوف والرعود والبروق والثلوج والدمق . فتنقطع عند ذلك السبل ويكثر الموت وتضيق المعايش . فالناس في جبلكم هذا سائر أيام الشتاء يتوقعون العذاب ويخافون السخطة والعقاب ، ثم يسمونه العدو المحاصر والكلب الكلب . ولذلك كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بعض عمّاله : إنه قد أظلكم الشتاء وهو العدو المحاصر ، فاستعدوا له الفراء واستنعلوا الحذاء . وقد قال الشاعر :
إذا جاء الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء
فالشتاء يهدم الحيطان ، فكيف الأبدان ، لا سيما شتاؤكم الملعون ؟ ثم فيكم أخلاق الفرس وجفاء العلوج وبخل أهل أصفهان ووقاحة أهل الري وفدامة أهل نهاوند وغلظ طبع أهل همذان . على أن بلدكم هذا أشدّ البلدان بردا وأكثرها ثلجا وأضيقها طرقا وأوعرها مسلكا وأفقرها أهلا . وكان يقال : إن أبرد البلدان ثلاثة : برذعة وقاليقلا وخوارزم . وهذا قول من لم يدخل بلدكم ولم يشاهد شتاءكم . وقد حدثني أبو جعفر محمد بن إسحاق المكتّب قال : لما قدم عبد الله بن المبارك همذان ، أوقدت بين يديه ، فكان إذا سخن باطن كفّه أصاب ظاهرها البرد . وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد ، فقال :
هامش
( 1 ) تأتي بعد هذا في آثار البلاد 484 : وألوانهم باذنجانية .
البلدان — صفحة 476 | أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني ) / يوسف الهادي