فالظاهر إجزاء هذا ؛ إذا ( 1 ) تجمّع كونُ الواقع مؤلماً ، وبقاء الألم إلى وقوع الآخر .
وإن كان الواقع مؤلماً وتخلل من الزمان ما يُسقط أثر التألم [ بالأول ] ( 2 ) ، فهذا محل التردد . ظاهر كلام القاضي أن ذلك حدٌّ معتدٌّ به .
والوجه عندنا أنه لا يعتدّ به إذا انقطع أثر الأول ( 3 ) ؛ فإن التتابع والوِلاء [ لو ] ( 4 ) عُدِّل بالأسواط ، [ لبلغ ] ( 5 ) أثره عدداً منها صالحاً ، ففي ترك الموالاة إسقاط جزء من الحد ( 6 ) . وما ذكره القاضي محتمل أيضاً ، وفي كلامه إشارة إلى الخمسين ، فإن كان يتشوف بذكرها إلى أن الخمسين حدٌّ كامل ، فهذا الفن يدِق مُدركه ، ولا ينبغي أن يُتشاغل بمثله ؛ فإن الأمور في الكليات لا تنطاع من التضيّق والضبط ، وشرطُ الفقه ألا يطلبَ من كل شيء إلا ما يليق به ، والتقدير ( 7 ) من موضع غايةُ المطلوب فيه التقريبُ وإبانةُ مسلك الاجتهاد لا يحسن .
فإن قيل : لو حلف الرجلُ ليضربنّ فلاناً مائة سوط ، ثم إنه فرّق عليه السياط في الأيام ، يَبَرّ في يمينه ، فهلاّ وقع الاكتفاء بتحصيل الاسم في الحدود ؟ قلنا : تعويل الأيمان على موجَبات الألفاظ ، والتعويل في فهم معاني التكليف على المقاصد . وقد ظهر من مقصود الشرع أن الغرض من الحد الزجر والتنكيل على قدرٍ يقرب من الفهم ، فيجب اعتباره .
هامش
( 1 ) إذا بمعنى : إذ .
( 2 ) في الأصل : بالواقع . والمثبت منّا على ضوء السياق وما حكاه الغزالي والرافعي والنووي عن الإمام .
( 3 ) عزا النووي هذا الضابط إلى الإمام ، فكأنه لم يسبق إليه . ( ر . الروضة : 10 / 173 ) .
( 4 ) سقطت من الأصل . والمثبت من عبارة الرافعي في الشرح الكبير : 11 / 286 .
( 5 ) في الأصل : " التلقي " ومن فضل الله أن وجدنا الرافعي حكى العبارة كاملة عن الإمام وإلا لاستحال علينا تصويبها . ( ر . السابق نفسه ) . وانظر إلى أي حد بعُد التصحيف برسم الكلمة .
( 6 ) المعنى أن في ترك الموالاة إسقاط جزء من الحد ؛ لأن الموالاة إذا قيس أثرها وعدّل بالأسواط وقوبل بها لبلغ عداداً معتبراً من الأسواط .
( 7 ) أي أخذ التقدير واستنباطه من مواضع التقريب غير حسن .