والذي ينتظم في محاولة الفرق بين الرهن والإجارة أن بناء بقاء الضمان على أنه حكم ثابت باليد ؛ فلا يزول مع دوام اليدِ والملكِ . والإيداعُ خرج على الخلاف ، والظاهر أنه يقطع الضمان ؛ لأن يد المودع مقصورةٌ على غرض المالك وحظه ، فنزِّل الإيداع منزلة الرد .
ويد المستأجر ( مستأجرة ) ( 1 ) من يد المودع ؛ من حيث إن الحظ فيها ليس للمالك على التمخض ، ولكن الحظ مشترك ، فحظّ المستأجِر استيفاءُ المنفعة ، وحظ المالك تقرير عوض المنفعة ، فاقتضى ذلك فرقاً ظاهراً بين يد المستأجر ويد المودع . فأما يد الرهن ، فلا حظ فيها للمالك أصلاً ، وإنما الحظ كله للمرتهن .
وإذا كان كذلك لم تنزل يدُ المرتهن منزلة الرد على المالك .
فإن قيل : إذا كان الحظ للمرتهن ، فهلا جعلتم يده يد ضمان كيد المستعير ؟ قلنا : إنما كان ذلك لأن المقصود من الرهن الوثيقةُ ، والتعرضُ لغرر الضمان لا يطابق الوثيقة .
فإن قالوا : نفيُ ( 2 ) الضمان إذاً ( 3 ) مقتضى الرهن ، فاجعلوا الأمر كذلك ، فأسقطوا ضمان الغصب أو لا تصححوا ( 4 ) يدَ الراهن .
قلنا : ذلك لأنا لا نرى الأيدي الطارئة على الغصب منقسمة ، ويدُ المرتهن لو لم يسبقها عدوان لا تقتضي ضماناً ، ولكنها لا تقوى على إزالة ضمان . وهذا في نهاية الإشكال . وهو من فنون الاحتيال التي نكرهها من أصحاب أبي حنيفة في مدافعات الكليات الجلية .
والأصل الذي يبتدره الفقيه المنصف أن يزول الضمان عند انقطاع ( 5 ) العدوان .
هامش
( 1 ) ( ص ) ، ( ت 2 ) : مستأجرة . وفي الأصل هكذا ( مسأحره ) بدون نقط . ولعلها مستأخرة ( بالخاء ) ، فالكلام في ترتيب المسألة .
( 2 ) في ( ت 2 ) : بقي .
( 3 ) في ( ص ) : إذاً من مقضي .
( 4 ) في ( ت 2 ) ، ( ص ) : فصححوا .
( 5 ) بعد أن قرر الإمام نص الشافعي ، وأقام المذهب عليه ، وأرسى قاعدته ، عاد فأكد ما يراه قائلاً : إن الضمان يزول عند انقطاع العدوان .