واصطرع الناس بألبابهم ( 1 ) * نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا * نلفظ دون ( 2 ) الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا * فنجهل الحق مع الجاهل
وقال الأعمش : أخبرني محمد بن الزبير : أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج
ويقول في كتابه : لو أن رجلا خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت
إليه ملوكهم ، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة ، ولعرفوا له ذلك ، ولو أن رجلا خدم موسى أو رآه
تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا ، وإني خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه
ورأيته وأكلت معه ، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه ، وإن الحجاج قد أضربي وفعل
وفعل ( 3 ) ، قال : أخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي وبلغ به الغضب ما شاء الله ،
ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ ( 4 ) ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل الكتاب :
انطلق بنا إليه نترضاه . وقال أبو بكر بن دريد : كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث :
إنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه ، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم ، وإذا
عززت بالله فاعف له ، فإنك به تعز وإليه ترجع . قال بعضهم : سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به
فأمر من عنده بالانصراف ، فلما خلا به وأراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك : احذر في كلامك
ثلاثا ، إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك ، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب ، أو تسعى إلي بأحد
من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي ، وإن شئت أقلتك . فقال
الرجل : أقلني فأقاله . وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق : اعفني من أربع وقل ما
شئت ، لا تطرني ، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه ، ولا تكذبني ، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى
رأفني ومعدلتي أحوج . وقال الأصمعي عن أبيه قال : أتى عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج
عليه فقال : اضربوا عنقه ، فقال : يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك ، فقال : وما جزاؤك ؟
فقال : والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك ، وذلك أني رجل مشؤوم ما كنت مع رجل قط إلا
غلب وهزم ، وقد بان لك صحة ما ادعيت ، وكنت عليك خيرا من مائة ألف معك تنصحك ، لقد
كنت مع فلان فكسر وهزم وتفرق جمعه ، وكنت مع فلان فقتل ، وكنت مع فلان فهزم - حتى عد
هامش
( 1 ) في العقد الفريد 2 / 263 : بآرائهم .
( 2 ) في العقد : نرضى بدون .
( 3 ) نسخة الكتاب في الاخبار الطوال ص 323 : " بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من
أنس بن مالك ، أما بعد ، فإن الحجاج قال لي نكرا ، واسمعني هجرا ، ولم أكن لذلك أهلا ، فخذ على يديه ،
وأعدني عليه ، والسلام " .
( 4 ) انظر الاخبار الطوال ص 324 فيه نسخة الكتاب .