بقتله ، ودخل ابن الأشعث يوما على الحجاج وعنده عامر الشعبي ( 1 ) فقال انظر إلى مشيته والله لقد
هممت أن أضرب عنقه ، فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث : وأنا والله لأجهدت
أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء . والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجنود وبذل
فيهم العطاء ثم اختلف رأيه فيمن يؤمر عليهم ، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن
الأشعث ، فقدمه عليهم ، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث فقال للحجاج : إني أخاف أن تؤمره فلا
ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الصراه ( 2 ) ، فقال : ليس هو هنالك هو لي حبيب ، ومتى أرهب أن
يخالف أمري أو يخرج عن طاعتي ، فأمضاه عليهم ، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل ،
فلما بلغ رتبيل مجئ ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يتعذر مما أصاب المسلمين في بلاده في
السنة الماضية ، وأنه كان لذلك كارها ، وأن المسلمين هم الذين ألجؤه إلى قتالهم ، وسأل من ابن
الأشعث أن يصالحه وأن يبذل للمسلمين الخراج ، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك ، وصمم على
دخول بلاده ، وجمع رتبيل جنوده وتهيأ له ولحربه ، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدا أو مدينة أو
أخذ قلعة من بلاد رتبيل استعمل عليها نائبا من جهته يحفظها له ، وجعل المشايخ ( 3 ) على كل أرض
ومكان مخوف ، فاستحوذ على بلاد ومدن كثيرة من بلاد رتبيل ، وغنم أموالا كثيرة جزيلة ، وسبى
خلقا كثيرة ، ثم حبس الناس عن التوغل في بلاد رتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد ، ويتقووا
بما فيها من المغلات والحواصل ، ثم يتقدمون في العام المقبل إلى أعدائهم فلا يزالون يجوزون الأراضي
والأقاليم حتى يحاصروا رتبيل وجنوده في مدينتهم مدينة العظماء على الكنوز والأموال والذراري حتى
يغنموها ثم يقتلون مقاتلتهم ، وعزموا على ذلك ، وكان هذا هو الرأي ، وكتب ابن الأشعث إلى
الحجاج يخبره بما وقع من الفتح وما صنع الله لهم ، وبهذا الرأي رآه لهم ، وقال بعضهم كان الحجاج
قد وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان مسلحة لأهلها ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا
إلى ذلك ، فعصي هميان ومن معه على الحجاج ، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث فهزمه وأقام ابن
الأشعث بمن معه ، ومات عبيد الله بن أبي بكرة فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان
ابن أبي بكرة وجهز إلى ابن الأشعث جيشا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم ، وكان يدعى هذا
الجيش جيش الطواويس ، وأمره بالاقدام على رتبيل فكان من أمره معه ما تقدم .
هامش
( 1 ) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، من التابعين ، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك
الروم مات سنة 103 ه بالكوفة . انظر تهذيب التهذيب 5 / 65 وتهذيب ابن عساكر 7 / 138 .
( 2 ) في الطبري 8 / 4 وابن الأثير 4 / 455 : جسر الفرات ، وفي ابن الأعثم 7 / 115 قال : جاءت اخوة
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس وإسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا : لا توجه
عبد الرحمن في هذا الجيش ، فإنا نتخوف أن يخرج عليك ! قال : ليس هذا أول حسد الاخوة ، وانما أنتم
حسدتموه لأنه ليس من أمكم . . . ( وانظر الإمامة والسياسة 2 / 37 ) .
( 3 ) في الطبري وابن الأثير : المسالح .