تميت القلب : الذنب على الذنب ، ومجالسة الموتى ، قيل له : ومن الموتى ؟ قال : كل غني
عرف ، وسلطان جائر . وكثرة مشاقة النساء ، وحديثهن ، ومخالطة أهله . وقال مالك بن دينار :
إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافا فيقنع به . فقال محمد بن واسع : أغبط منه والله عندي من
يصبح جائعا وهو عن الله راض . وقال : ما آسي عن الدنيا إلا على ثلاث : صاحب إذا اعوججت
قومني ، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها ، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة ، ولا
لله علي فيه تبعة . وروى رواد بن الربيع قال : رأيت محمد بن واسع بسوق بزور وهو يعرض حمارا له
للبيع ، فقال له رجل : أترضاه لي ؟ فقال له رضيته لم أبعه .
ولما ثقل محمد بن واسع كثر عليه الناس في العيادة ، قال بعض أصحابه : فدخلت عليه فإذا قوم
قعود وقوم قيام ، فقال : ماذا يعني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غدا وألقيت في النار ؟ !
وبعث بعض الخلفاء مالا مستكثرا إلى البصرة ليفرق في فقراء أهلها ، وأمر أن يدفع إلى محمد بن
واسع منه فلم يقلبه ولم يلتمس منه شيئا ، وأما مالك بن دينار فإنه قبل ما أمر له به ، واشترى به أرقاء
وأعتقهم ولم يأخذ لنفسه منه شيئا ، فجاءه محمد بن واسع يلومه على قبوله جوائز السلطان . فقال
له : يا مالك قبلت جوائز السلطان ؟ فقال له مالك : يا أبا عبد الله ! سل أصحابي ماذا فعلت منه ،
فقالوا له : إنه اشترى به أرقاء وأعتقهم ، فقال له : سألتك بالله أقلبك الآن لهم مثل ما كان قبل أن
يصلوك . فقام مالك وحثى على رأسه التراب وقال : إنما يعرف الله محمد بن واسع ، إنما مالك حمار
إنما مالك حمار ، وكلام محمد بن واسع كثير جدا رحمه الله .
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة
فيها غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك بلاد الروم فلقي ملك الروم إليون فقاتله فسلم سليمان
وغنم . وفيها قدم جماعة من دعاة ( 1 ) بني العباس من بلاد خراسان قاصدين إلى مكة فمروا بالكوفة ( 2 )
فبلغهم أن في السجن جماعة من الامراء من نواب خالد القسري ، قد حبسهم يوسف بن عمر ،
فاجتمعوا بهم في السجن فدعوهم إلى البيعة لبني العباس ، وإذا عندهم من ذلك جانب كبير ، فقبلوا
منهم ووجدوا عندهم في السجن أبا مسلم الخراساني ، وهو إذ ذاك غلام يخدم عيسى بن معقل ( 3 )
العجلي ، وكان محبوسا فأعجبهم شهامته وقوته واستجابته مع مولاه إلى هذا الامر ، فاشتراه بكر بن
هامش
( 1 ) في الاخبار الطوال ص 337 ذكرهم : سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ولاهز بن قرط وقحطبة بن شبيب .
( انظر ابن الأثير 5 / 254 ) .
( 2 ) في الاخبار الطوال : بواسط .
( 3 ) من الطبري 8 / 283 وابن الأثير 5 / 255 والاخبار الطوال ص 337 . وفي الأصل " مقبل " تحريف .