أقض حاجته ، فثناه ذلك عن الهجوم علي ، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم ، ثم ركب
فرسه وركب معه أصحابه وانطلق . قال البطال : فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا علي منهم
فلم أقبل ، وسقت حتى لحقتهم ، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه ، وأراد الفرار فألحقه فأضرب
عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطا على فرسي ، ورجعت إلى الدير ، فخرجن إلي ووقفن بين
يدي ، فقلت : اركبن ، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن
إليه ، فنفلني ما شئت منهن ، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها ، فهي أم أولادي . والبطريق في لغة
؟ العبارة عن الأمير الكبير فيهم ، وكان أبوها بطريقا كبيرا فيهم - يعني تلك المرأة - وكان البطال
بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه .
وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم ، فغاب
عنه خبرهم فلم يدر ما صنعوا ، فركب بنفسه وحده على فرس له وسار حتى وصل عمورية ، فطرق
بابها ليلا فقال له البواب : من هذا ؟ قال البطال : فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق ،
فأخذ لي طريقا إليه ، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه ،
ثم قلت له : إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا ، فأمر من عنده فذهبوا ، قال : ثم قام
فأغلق باب الكنيسة علي وعليه ، ثم جاء فجلس مكانه ، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا
وقلت له : أنا البطال فأصدقني عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة ،
فأخبرني ما خبرها ، فقال : هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم ، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في
وادي كذا وكذا ، والله لقد صدقتك . فقلت : هات الأمان ، فأعطاني الأمان ، فقلت : إيتني
بطعام ، فأمر أصحابه فجاؤوا بطعام فوضع لي ، فأكلت فقمت لانصرف فقال لأصحابه : اخرجوا
بين يدي رسول الملك فانطلقوا يتعادون بين يدي ، وانطلقت إلى ذلك الوادي الذي ذكر فإذا أصحابي
هنالك ، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة . فهذا أغرب ما جرى .
قال الوليد : وأخبرني بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته ، وكان قد شغل
بالجهاد عن الحج ، وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة ، فلم يتمكن من حجة الاسلام إلا في
السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى ، وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من
القسطنطينية في مائة ألف فارس ، فبعث البطريق - الذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى
البطال يخبره بذلك ، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك ، وكان الأمير مالك بن شبيب ، وقال
له : المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران ، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في
الجيوش الاسلامية ، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش ، فاقتتلوا قتالا شديدا والابطال تحوم بين يدي
البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم ، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا
منه ، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة ، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى
البداية والنهاية — صفحة 364
مساهمون: ابن كثير
ص٣٦٤