وراء ظهره ، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة ، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع
اليد ، وحمل هو معه شاة وخاضوا النهر ، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل
دهم ، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة ، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا وظن
المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر ، فتشاور الأتراك فيما بينهم ، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة
واحدة - وكانوا خمسين ألفا - فيقتحمون النهر ، فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون
أنهم معهم في عسكرهم ، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة ، فجعلت خيولهم تنخر أشد
النخير ، وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم ، وكانوا قد خندقوا حولهم
خندقا لا يخلصون إليهم منه ، فبات الجيشان تتراءى ناراهما ، فلما أصبحا مال خاقان على بعض
الجيش الذي للمسلمين فقتل منهم خلقا وأسر أمما وإبلا موقرة ، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد
الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد ، فما صلوها إلا على وجل ، ثم سار أسد بمن
معه حتى نزل مرج بلخ ، حتى انقضى الشتاء ، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس
واستشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان ، أو في التحصن ببلخ . فمنهم من أشار
بالتحصن ، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله ، فوافق ذلك رأي أسد الأسد ، فقصد بجيشه
نحو خاقان ، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما ، ثم دعا بدعاء طويل ، ثم انصرف وهو يقول :
نصرتم إن شاء الله ، ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان ، فقتل المسلمون
منهم خلقا وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه ، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستاقها ، فإذا هي
مائة ألف وخمسون ألف شاة ، ثم التقى معهم ، وكان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها ، ومعه
رجل من العرب قد خامر إليه ، يقال له الحارث بن سريج ( 1 ) ، فهو يدلهم على عورات المسلمين ،
فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب ، وانهزم خاقان ومعه الحارث بن سريج ( 1 ) يحميه
ويتبعه ، فتبعهم أسد ، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه ، عليهم الخز
ومعهم الكؤسات ، فلما أدركه المسلمون أمر بالكؤسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف
ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف ، فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه بما فيه
من الأمتعة العظيمة ، والأواني من الذهب والفضة ، والنساء والصبيان ، من الأتراك ومن معهم من
الأسارى من المسلمات وغيرهم ، مما لا يحد ولا يوصف لكثرته وعظمه وقيمته وحسنه . غير أن خاقان
لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها ، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخر رمق
تتحرك ، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم ، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن
بها ، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الامراء ( 2 ) فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد ، فحنق عليه
هامش
( 1 ) من الطبري وابن الأثير وابن الأعثم ، وفي الأصل شريح وهو تحريف .
( 2 ) في ابن الأثير 5 / 205 : كور صول . وانظر الطبري 8 / 238 .