وجاءه رجل من أهل آذربيجان فقام بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين أذكر بمقامي هذا بين يديك
مقامك غدا بين يدي الله ، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق ، من يوم تلقاه
بلائقة من العمل ، ولا براءة من الذنب ، قال : فبكى عمر بكاءا شديدا ثم قال له : ما حاجتك ؟
فقال : إن عاملك بآذربيجان عدا علي فأخذ مني اثني عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال . فقال
عمر : اكتبوا له الساعة إلى عاملها ، فليرد عليه ، ثم أرسله مع البريد . وعن زياد مولى ابن عياش
قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردة شاتية ، فجعلت أصطلي على كانون هناك ، فجاء
عمرو هو أمير المؤمنين فجعل يصطلي معي على ذلك الكانون ، فقال لي : يا زياد ؟ قلت : نعم يا أمير
المؤمنين ، قال : قص علي ، قلت ما أنا بقاص ، فقال : تكلم ، فقلت زياد ، فقال : ما له ؟
فقلت : لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار ، ولا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة ، فقال :
صدقت ، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الذي في الكانون .
وقال له زياد العبدي : يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف واعملها في المخرج مما وقعت
فيه ، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه ، ثم قال له
زياد : يا أمير المؤمنين أخبرني عن رجل له خصم ألد ما حاله ؟ قال : سئ الحال ، قال : فإن كانا
خصمين الدين ؟ قال : فهو أسوأ حالا ، قال : فإن كانوا ثلاثة ؟ قال : ذاك حيث لا يهنئه عيش .
قال : فوالله يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وهو خصمك ، قال : فبكى عمر حتى تمنيت
أني لم أكن حدثته ذلك . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة وأهل البصرة : أما بعد فإن
من الناس من شاب في هذا الشراب ، ويغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم ، وسفه
أحلامهم ، فسفكوا له الدم الحرام ، وارتكبوا فيه الفروج الحرام ، والمال الحرام ، وقد جعل الله عن
ذلك مندوحة من أشربة حلال ، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الادم ، واستغنوا بما أحل الله عما
حرم ، فإنا من وجدناه شرب شيئا مما حرم الله بعد ما تقدمنا إليه ، جعلنا له عقوبة شديدة ، ومن
استخف بما حرم الله عليه فالله أشد عقوبة له وأشد تنكيلا .
خلافة يزيد بن عبد الملك
بويع له بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك أن يكون ولي الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز ،
فلما توفي عمر في رجب من هذه السنة - أعني سنة إحدى ومائة - بايعه الناس البيعة العامة ، وعمره إذ
ذاك تسع وعشرون سنة ، فعزل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم ، وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس ، فجرت بينه وبين أبي بكر بن حزم منافسات
وضغائن ، حتى آل الامر إلى أن استدرك عليه حكومة فحده حدين فيها ( 1 ) .
هامش
( 1 ) حده في خلاف سابق بينه وبين عثمان بن حيان دون أن يسأله عبد الرحمن شيئا . ( انظر الطبري 8 / 142 وابن
الأثير 5 / 67 ) .