وأنا شيخ كبير وعليل : وهذا ابني هو أشب مني . قال : ومن أنت ؟ قال عمير بن ضابئ التميمي ،
قال : أسمعت كلامنا بالأمس ؟ قال : نعم ! قال : ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال : بلى
قال : وما حملك على ذلك ؟ قال : كان حبس أبي وكان شيخا كبيرا ، قال أوليس هو الذي يقول :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * فعلت ووليت البكاء حلائلا ( 1 )
ثم قال الحجاج : إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين ، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب
عنقه ، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله ، وأمر مناديا فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابئ
تأخر بعد سماع النداء ثلاثا فأمر بقتله ، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة
واحدة أربعة آلاف من مذحج ، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب ، وأخذوا منه
كتابا بوصولهم إليه ، فقال المهلب : قدم العراق والله رجل ذكر ، اليوم قوتل العدو . ويروى أن
الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد : أيها الأمير ! إن هذا جاء إلى عثمان
بعد ما قتل فلطم وجهه ( 2 ) ، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله .
وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبا على البصرة من جهته ، وأمره أن يشتد على
خالد بن عبد الله ، وأقر على قضاء الكوفة شريحا ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة
أبا يعفور ، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ، ثم عاد إلى الكوفة . وحج بالناس في هذه السنة
عبد الملك بن مروان ، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة ، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله . وفي
هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج ، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ
قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما خطب أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد ، ثم أتي
برجل من بني يشكر ( 3 ) فقيل هذا عاص ، فقال : إن بي فتقا وقد عذرني الله وعذرني بشر بن مروان ،
وهذا عطائي مردود على بيت المال ، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل ، ففزع أهل البصرة وخرجوا من
البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز . وعليهم عبد الله بن الجارود ، وخرج إليهم الحجاج
- وذلك في شعبان من هذه السنة - في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالا شديدا ، وقتل أميرهم
عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه ، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من
رامهرمز ، ثم بعت بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج ، وأرسل الحجاج إلى المهلب
وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة ، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن
أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال ، فهربوا إلى أرض كازرون من أقليم سابور ، وسار الناس وراءهم
هامش
( 1 ) في ابن الأثير : تركت على عثمان تبكي حلائله .
( 2 ) في مروج الذهب 3 / 157 : كسر ضلعا من أضلاعه .
( 3 ) في ابن الأثير 4 / 380 : هو شريك بن عمرو اليشكري . ولقب ذا الكرسفة .