لرجل يقال له مالك بن عامر ، كانت علاقته رثة فأخذه الموج ، فدعا صاحبه الله عز وجل ،
وقال : اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي . فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه
الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه . وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز
المرتفع فيقف عليه فيستريح ، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها ، وكان يوما
عظيما وأمرا هائلا ، وخطبا جليلا ، وخارقا باهرا ، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلقها الله لأصحابه
لم ير مثلها في تلك البلاد ، ولا في بقعة من البقاع ، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة ، بل
هذا أجل وأعظم ، فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك . قالوا : وكان الذي يساير سعد بن أبي
وقاص في الماء سلمان الفارسي ، فجعل سعد يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل . والله لينصرن الله
وليه ويظهرن الله دينه ، وليهزمن الله عدوه ، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات .
فقال له سلمان : إن الاسلام جديد . ذللت لهم والله البحور ، كما ذلل لهم البر ، أما والذي نفس
سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا . فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم
أحدا ، ولم يفقدوا شيئا ( 1 ) .
ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة ، فساقوا وراء
الأعاجم حتى دخلوا المدائن ، فلم يجدوا بها أحدا ، بل قد أخذ كسرى ( 2 ) أهله وما قدروا عليه من
الأموال والأمتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الانعام والثياب والمتاع ، والآنية والالطاف
والأدهان ما لا يدري قيمته . وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات
فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه .
فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء ، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا
ولا يخشونه ( 3 ) غير القصر الأبيض ففيه مقاتلة وهو محصن .
فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي ، فلما
كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الإيوان مصلى ، وحين دخله تلا قوله تعالى * ( كم
تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما
آخرين ) * [ الدخان : 25 ] ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح ، وذكر سيف في
روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة وأنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت
بالعراق ، وذلك لان سعدا نوى الإقامة بها ، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن
هامش
( 1 ) سموا يوم عبورهم الدجلة بيوم الجراثيم ، لأنه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش
المربوطة حزما .
( 2 ) في الطبري والكامل : يزدجرد .
( 3 ) في الكامل : أحدا يخشونه ، وفي الطبري أحدا ولا يحسونه .