رستم : صدق ، ما جاء بكم ؟ فقال : إنا كنا قوما في شر وضلالة ، فبعث الله إلينا نبيا فهدانا الله
به ورزقنا على يديه ، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد ، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا :
لا صبر لنا عنها ، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة . فقال رستم : إذا نقتلكم . قال
إن قتلتمونا دخلنا الجنة ، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية . قال : فلما قال وأديتم الجزية
نخروا وصاحوا وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم . فقال المغيرة : تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال
رستم : بل نعبر إليكم ، فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم ( 1 ) .
وذكر سيف أن سعدا كان به عرق النساء يومئذ ، وأنه خطب الناس وتلي قوله تعالى : * ( ولقد
كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) * [ الأنبياء : 105 ] ، وصلى
بالناس الظهر ثم كبر أربعا وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله ، في طردهم
إياهم ، وقتلهم لهم . وقعودهم لهم كل مرصد ، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا
الكلاب والسنانير . وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند ، ولجأ أكثرهم إلى المدائن ، ولحقهم
المسلمون إلى أبوابها . وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة
فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم ، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم
وسياطهم بأيديهم ، والنعال في أرجلهم ، وخيولهم الضعيفة ، وخبطها الأرض بأرجلها . وجعلوا
يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها . ولما
استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه ، وكان متكبرا قليل الأدب ، ثم جعل
يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها ؟ عن الأردية ، والنعال ، والسياط ثم كلما قالوا له شيئا من
ذلك تفاءل فرد الله فأله على رأسه . ثم قال لهم : ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما
تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟ فقال له النعمان بن مقرن : إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا
على الخير ويأمرنا به ، ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة . فلم يدع
إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص ،
فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينهد ( 2 ) إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم ، ففعل
فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه ( 3 ) عليه فاغتبط ، وطائع إياه فازداد . فعرفنا جميعا فضل ما
جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى
الانصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الاسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله ، فإن أبيتم
فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء ( 4 ) فإن أبيتم فالمناجزة . وإن أجبتم إلى ديننا خلقنا
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 4 / 92 - 93 .
( 2 ) في الطبري : ينبذ .
( 3 ) في الطبري والكامل : مكره .
( 4 ) كذا بالأصل والطبري ، وفي الكامل الجزية وهو الصواب .