الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار أبو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد
وأبو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة ، وعلى الخيل ضرار بن الأزور ، وعلى الرجالة
عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم إلى بيسان ( 1 ) ، وأرسلوا مياه
تلك الأراضي على هنالك من الأراضي فحال بينهم وبين المسلمين ، وأرسل المسلمون إلى عمر
يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة ، إلا أن المسلمين في عيش
رغيد ومدد كبير ، وهم على أهبة من أمرهم . وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا
يصبح إلا على تعبئة . وظن الروم أن المسلمين على غرة ، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم ، وعلى
الروم سقلاب ( 2 ) بن مخراق ، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لأنهم على أهبة
دائما ، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل . فلما أظلم الليل فر الروم وقتل أميرهم
سقلاب وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به
المسلمين فغرقهم الله فيه ، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا ( 3 ) لم ينج
منهم إلا الشريد ، وغنموا منهم شيئا كثيرا ومالا جزيلا . وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من
الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . واستخلف أبو عبيدة على الأردن
شرحبيل بن حسنة ، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم
مقتلة عظيمة ، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق ، وضرب عليهم الجزية والخراج على
أراضيهم وكذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء .
ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال
وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام وقد قيل إنه سار
بتسعة آلاف ، وقيل بثلاثة آلاف ، وقيل بسبعمائة وقيل بأقل ، إلا أنهم صناديد جيش العراق ،
فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم
وملكاتهم ، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق ، فأخبر بأمر
العراق ، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق . فلما مات الصديق ودفن ليلة
الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق ، وحرضهم ورغبهم في الثواب على
هامش
( 1 ) بيسان : بلد من أرض فلسطين شمالي نابلس ، وإليها ينسب القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني وزير الملك
الناصر يوسف بن أيوب .
( 2 ) في الطبري والكامل : سقلار .
( 3 ) كذا بالأصل والطبري والكامل . وفي فتوح ابن الأعثم : ستين ألفا . وفي فتوح الأزدي ( ص 112 ) : بين
الثلاثين والأربعين ألفا .