والله ما أرى إلا حميراء ، فقالت : هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك . فقتل بالبصرة
وسلب وقطعت يده ورمي عريانا في خربة من خرابات الأزد . فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين
البصرة - ومعها أخوها محمد بن أبي بكر - فنزلت في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم
دار بالبصرة - على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، وهي
أم طلحة الطلحات عبد الله بن خلف ، وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة ، وقد
طاف علي بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه ويقول : يعز علي أن أرى قريشا
صرعى . وقد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول فقال : لهفي عليك يا أبا محمد ،
إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت كما قال الشاعر :
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا ثم صلى على القتلى من الفريقين ، وخص قريش بصلاة من
بينهم ، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة ، فمن
عرف شيئا هو لأهلهم فليأخذه ، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان . وكان مجموع من
قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف ( 1 ) ، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء ، رحمهم الله
ورضي عن الصحابة منهم . وقد سأل بعض أصحاب علي عليا أن يقسم فيهم أموال أصحاب
طلحة والزبير ، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية وقالوا : كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم ؟
فبلغ ذلك عليا فقال : أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه ؟ فسكت القوم ، ولهذا لما دخل
البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال ، فنال كل رجل منهم خمسمائة ، وقال : لكم مثلها من
الشام ، فتكلم فيه السبائية أيضا ونالوا منه من وراء وراء .
فصل
ولما فرغ علي من أمر الجمل أتاه وجوه الناس يسلمون عليه ، فكان ممن جاءه الأحنف بن
قيس في بني سعد - وكانوا قد اعتزلوا القتال - فقال له علي : تربعت - يعني بنا - فقال : ما كنت
أراني إلا قد أحسنت ، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين ، فارفق فإن طريقك الذي سلكت
بعيد ، وأنت إلي غدا أحوج منك أمس ، فاعرف إحساني ، واستبق موتي لغد ، ولا تقل مثل هذا
فإني لم أزل لك ناصحا . قالوا : ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم ، حتى
الجرحى والمستأمنة . وجاءه عبد الرحمن ن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه فقال له علي : أين المريض ؟ -
يعني أباه - فقال : إنه والله مريض يا أمير المؤمنين ، وإنه على مسرتك لحريص . فقال : امش
هامش
( 1 ) في مروج الذهب 2 / 387 و 410 ثلاثة عشر ألفا ، من أصحاب علي قتل خمسة آلاف . وفي فتوح ابن الأعثم
2 / 342 : قتل من أصحابه ( علي ) ألف رجل وسبعون رجلا ( ومن أصحاب عائشة ) فقتل من الأزد أربعة
الآلف رجل ، ومن بني ضبة ألف رجل ومن بني ناجية أربعمائة رجل ، ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا ،
ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل ومن بني حنظلة سبعمائة رجل ومن سائر أخلاط الناس تسعة آلاف رجل .