بالكوفة : وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك ، وخطب الناس فحثهم على ذلك ( 1 ) . وعزم على
التجهز . وخرج من المدينة ، واستخلف عليها قثم بن العباس ، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه
من عصاه وخرج عن أمره ولم يبايعه مع الناس ، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي فقال : يا أبتي دع
هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ، ووقوع الاختلاف بينهم ، فلم يقبل منه ذلك ، بل صمم على
القتال ، ورتب الجيش ، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية ، وجعل ابن العباس على الميمنة ،
وعمرو بن أبي سلمة على الميسرة ، وقيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ، وجعل
على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة ، واستخلف على المدينة قثم بن
العباس ولم يبق شئ إلا أن يخرج من المدينة قاصدا إلى الشام ، حتى جاءه ما شغله عن ذلك وهو
ما سنورده .
ابتداء وقعة الجمل
لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق ، كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين قد خرجن إلى
الحج في هذا العام فرارا من الفتنة ، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل ، أقمن بمكة بعدما خرجوا
منها ، ورجعوا إليها وأقاموا بها وجعلوا ينتظرون ما يصنع الناس ويتجسسون الاخبار فلما بويع لعلي
وصار حظ الناس عنده بحكم الحال وغلبة الرأي ، لا عن اختيار منه لذلك رؤس أولئك الخوارج
الذين قتلوا عثمان ، مع أن عليا في نفس الامر يكرههم ، ولكنه تربص بهم الدوائر ، ويود لو تمكن
منهم ليأخذ حق الله منهم ، ولكن لما وقع الامر هكذا واستحوذوا عليه ، وحجبوا عنه علية
الصحابة فر جماعة من بني أمية ( 2 ) وغيرهم إلى مكة ، واستأذنه طلحة بن الزبير في الاعتمار ، فأذن
لهما فخرجا إلى مكة وتبعهم خلق كثير ، وجم غفير ، وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد
ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه ، فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرضه على
الخروج معه ، فقال : إنما أنا رجل من أهل المدينة ، إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة ،
ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام ، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة ، وقدم إلى مكة أيضا في
هذا العام يعلى بن أمية ( 3 ) من اليمن ، - وكان عاملا عليها لعثمان - ، ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف
درهم ( 4 ) ، وقدم لها عبد الله بن عامر من البصرة ، وكان نائبها لعثمان ، فاجتمع فيها خلق من
سادات الصحابة ، وأمهات المؤمنين ، فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم وتحثهم على
القيام بطلب دم عثمان ، وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ، ولم يراقبوا
هامش
( 1 ) انظر خطبته في أهل المدينة في الطبري 5 / 163 - 164 والكامل لابن الأثير 3 / 204 .
( 2 ) منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط - أخو عثمان - مروان بن الحكم - عبد الله بن عامر - ابن خال
عثمان - وعبد الله بن عامر الحضرمي وسعيد بن العاص .
( 3 ) الصواب يعلى بن منية .
( 4 ) كذا في الأصل والطبري والكامل . وفي فتوح ابن الأعثم : أربعمائة بعير .