قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَعْنَى نَفْيِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَلَدِ الزِّنْيَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ - وَوَلَدُ الزِّنْيَةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْزَارِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ شَيْءٌ - أَنَّ وَلَدَ الزِّنْيَةِ عَلَى الْأَغْلَبِ يَكُونُ أَجْسَرَ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَزْجُورَاتِ ، أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ وَلَدَ الزِّنْيَةِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جُنَّةً يَدْخُلُهَا غَيْرُ ذِي الزِّنْيَةِ مِمَّنْ لَمْ تَكْثُرْ جَسَارَتُهُ عَلَى ارْتِكَابِ المزجورات ( 1 ) .
هامش
( 1 ) وقد سبقه إلى هذا التأويل شيخه ابن خزيمة في " كتاب التوحيد " ص 367 .
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " في تأويل هذا الحديث : فكان ما في هذا الحديث عندنا - والله أعلم - أريد به من تحقق بالزنى حتى صار غالباً عليه ، فاستحق بذلك أن يكون منسوباً إليه ، فيقال : هو ابنٌ له ، كما ينسب المتحققون بالدنيا إليها ، فيقال لهم : بنو الدنيا ، لعلمهم لها ، وتحققهم بها ، وتركهم ما سواها ، وكما قيل للمتحقق بالحذر : ابن أحذر ، وللمتحقق بالكلام : ابن أقوال ، وكما قيل للمسافر : ابن سبيل ، وكما قيل للمقطوعين عن أموالهم لبعد المسافة بينهم وبينها : أبناء السبيل ، وكما قال تعالى في أصناف أهل الزكاة { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ . . . } ( التوبة : من الآية 60 ) حتى ذكر فيهم ابن السبيل ، وكمال بدرُ بن حذار للنابغة :
أبلغ زياداً وخير القولِ أصدقُه
. . .
فلو تكيَّس أو كان ابْنَ أحْذارِ
أي : لو كان حذراً وذا كيس . وكما يقال : فلان ابن مدينةٍ ، للمدينة التي هو متحقق بها ، ومنه قول الأخطل :
رَبَتْ ورَبَا في حِجْرِها ابنُ مدينةٍ
. . .
يظلُّ على مِسْحاتِهِ يَتركَّلُ
فمثل ذلك ابنُ رنية ، قيل لمن قد تحقق بالزنى ، حتى صار بتحققه به منسوباً إليه ، وصار الزنى غالباً عليه : إنه لا يدخل الجنة بهذه المكان التي فيه ، ولم يرد به من كان ليس من ذوي الزنى الذي هو مولود من الزنى .