تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
مع ما اختصه الله به مما لم يؤت أحدا قبله ، كما ذكرنا في خصائصه وشمائله صلى الله عليه وسلم ، ووقفت على فصل مليح في هذا المعنى ، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم ، أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، وهو كتاب حافل في ثلاث مجلدات ، عقد فيه فصلا في هذا المعنى ، وكذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد ، في كتابه دلائل النبوة ، وهو كتاب كبير جليل حافل ، مشتمل على فرائد نفيسة * وكذا الصرصري الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي * وها أنا أذكر بعون الله مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة ، وأقصر إشارة ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم . القول فيما أوتي نوح عليه السلام قال الله تعالى : * ( فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر ) * [ القمر : 10 - 17 ] ، وقد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب وكيف دعا على قومه فنجاه الله ومن اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد ، وأغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلم منهم أحد حتى ولا ولده * قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري الزملكاني ، ومن خطه نقلت : وبيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها ، إذا تم يستدعي كلاما طويلا ، وتفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة ، ولكن ننبه بالبعض على البعض ، فلنذكر جلائل معجزات الأنبياء عليهم السلام ، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين ، ولا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة ، وقد مشى كثير من الأولياء على متن الماء ، وفي قصة العلاء بن زياد ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك ، روى منجاب قال : غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين ( 1 ) ، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له ، فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده ، فقام وصلى ركعتين وقال ، اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك ، نقاتل عدوك ، اللهم اسقنا غيثا نتوضأ به ونشرب ، ولا يكون لاحد فيه نصيب غيرنا ، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه ، فتوضأنا منه وتزودنا ، وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا ، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابي : نسيت إداوتي ، فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط ، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم ، فقال ، يا علي يا حكيم ، إنا عبيدك وفي سبيلك ، نقاتل عدوك ، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا ، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا ، ومشينا على متن الماء ولم يبتل لنا شئ ، وذكر بقية القصة ، فهذا أبلغ من ركوب السفينة ، فإن حمل الماء للسفينة معتاد ، وأبلغ من فلق البحر لموسى ، فإن هناك انحسر الماء حتى مشوا على
هامش
( 1 ) دارين : فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند ، والنسبة إليها داري .
البداية والنهاية — صفحة 290 | ابن كثير / علي شيري