وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَلْقُهُ لِرَأْسِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّسُكِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ
فَقَالَ مَالِكٌ بِئْسَ مَا فَعَلَ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وهو مُخَيَّرٌ فِيهَا إِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ قُوتِهِ أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ
وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي حَلْقَةِ رَأْسِهِ وَقَدْ أَذَاهُ هَوَامُّهُ
وَلَوْ كَانَ حكم الضرورة مخالفا لبينه عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمَّا لَمْ تَسْقُطِ الْفِدْيَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عُلِمَ أَنَّ الضَّرُورَةَ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ لِشَرْطِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ الْبَقَرَةِ )
فَأَمَّا إِذَا حَلَقَ أَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضرورة فعليه دم لا غير
واختلفوا في من حَلَقَ أَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
فَقَالَ مَالِكٌ الْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ وَدَاودُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ صَنَعَهُ نَاسِيًا
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ أَوْ أَطْلَى أَوْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ
وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَمًا وَلَا يُجِيزُ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ
وَقَالَ دَاوُدُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي حَلْقِ شَعْرِ جَسَدِهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ
فَقَالَ مَالِكٌ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ أَيْنَ شَاءَ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ سَوَاءً عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ
وَهُوَ قَوْلُ مجاهد
والذبح عند مالك ها هنا سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ
قَالَ الْهَدْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ وَالنُّسُكُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ
وَحُجَّتُهُ فِي أَنَّ النُّسُكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَدِيثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ
الاستذكار — صفحه 388
پدیدآورندگان: يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
ص۳۸۸