قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتِجَاجُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ عَجَبٌ عَجِيبٌ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِأُصُولِهِمْ وَرَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وَكَسْرٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ مَذْهَبَهُمْ فِي الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ في كتابه ( خذ من أموالهم صدقة ) التَّوْبَةِ 103 وَلَمْ يَخُصَّ مَالًا مِنْ مَالٍ وَظَاهِرُ هذا القول يوجب على أصوله أن تؤخر الزَّكَاةُ مِنْ كُلِّ مَالٍ إِلَّا مَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَلَا إِجْمَاعَ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بَلِ الْقَوْلُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ عَلَيْهِمْ وَلَا الْخُرُوجُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى جَمِيعِهِمْ
وَأَمَّا السُّنَّةُ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا خَصَّتْ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَأَخْرَجَتْهُ عَنْ عُمُومِهِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَالْوَاجِبُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ - أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ مَا عَدَا الرَّقِيقَ وَالْخَيْلَ لِأَنَّهُمُ لَا يَقِيسُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الْعُرُوضِ وَلَا إِجْمَاعَ فِي إِسْقَاطِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْعُرُوضِ الْمُبْتَاعَةِ لِلتِّجَارَةِ بَلِ الْقَوْلُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَفِي هَذَا كُلِّهِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى تَنَاقُضِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ وَنَقْضِهِمْ لِمَا أَصَّلُوهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ الصَّدَقَةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَمَلِ الْعُمَرَيْنِ ( رِضَى اللَّهِ عَنْهُمَا ) حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذَكَرَهُ أَبُو داود وغيره بالإسناد الحسن عَنْ سَمُرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ حَمَاسًا قَالَ مَرَرْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلَى عَاتِقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ لِي أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَهَا يَا حَمَاسُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ
الاستذكار — صفحة 170
مساهمون: يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
ص١٧٠