تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستذكار — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزِّئْبَقِ يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ فَمَرَّةً قَالَ فِيهِ الْخُمْسُ وَمَرَّةً قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ كَالْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ فَقَالَ مرة بقول مالك وهو قوله الْعِرَاقِيِّ وَقَالَ بِمِصْرَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ فَهُوَ فَائِدَةٌ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْحَوْلُ وَهُوَ قَوْلُ الليث بن سعد وبن أَبِي ذِئْبٍ وَمَرَّةً قَالَ الشَّافِعِيُّ أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي الْمَعَادِنِ وَخَيَّرَ عَلَى الْقَوْلِ فِيهَا وَاخْتَارَ الْمُزْنِي أَنْ يَكُونَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعْدِنِ فَائِدَةً يُسْتَأْنَفُ بِهَا حَوْلٌ وَأَمَّا الْإِقْطَاعُ فَهُوَ جَائِزَ لِلْإِمَامِ فِيمَا لَا مِلْكَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ يُقْطِعُهُ مَنْ رَآهُ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَالنَّفْعِ لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ أَوْ عَمَلِهِ وَهُوَ كَالْفَيْءِ يَضَعُهُ حَيْثُ رَآهُ فِيمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ أَعَمُّ نَفْعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَقُومُ بِهِ الْمَرْءُ وَعُمَّالُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ أَقْطَعَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا تُطِيقُهُ فَانْظُرْ مَا تُطِيقُ مِنْهُ فَأَمْسِكْهُ وَأْذَنْ لِي فِي إِقْطَاعِ الْبَاقِي مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَأَقْطَعَ مَا أَخَذَ مِنْهُ غَيْرَهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ رَدًّا لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ رَأَى أَنَّ لَهُ رَدُّهُ ما استأذن بلال بن الحارث ولكنه رَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقِفْ فِي حِينِ الْإِقْطَاعِ عَلَى قَدْرِ مَا أَقْطَعَ وَلَوْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا أَقْطَعَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ اسْتَأْذَنَ بِلَالًا وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَا أَخْبَرَهُ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ إِقْطَاعُ مَا قَدْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ الْمِلْكُ وَمَسَارِحُ الْقَوْمِ الَّتِي لَا غِنَى لَهُمْ عَنْهَا لِإِبِلِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يقطعها أحدا لأنها تجري الْمِلْكِ الْمُعَيَّنِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَقْطَعَ الدَّهْنَاءَ رَجُلًا قَالَتْ لَهُ قَيْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ مُقَيَّدُ إِبِلِ بَنِي تَمِيمٍ وَهَذِهِ نِسَاءُ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فَارْتَجَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَا فِيهِ الرَّغْبَةُ وَالتَّنَافُسُ وَالْغِبْطَةُ يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدًا وَهُوَ يُفْصَلُ عَنْهُ وَلِلنَّاسِ فِيهِ مَنَافِعُ لِحَدِيثِهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) أَنَّهُ أقطع رجلا ماء لَيْسَ بِالْكَثِيرِ فَقِيلَ لَهُ
الاستذكار — صفحة 146 | يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر ) / سالم محمد عطا / محمد علي معوض