ترجمة الإمام مالك
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك ، ولد سنة ثلاث وتسعين هجرية بالمدينة المنورة .
وقد نشأ فقيرا يعيش في الكفاف مع أهله ، وعرف ما هو عليه من الذكاء والعقل وسرعة الحفظ ، فأشار عليه الناس بتلقي العلم على شيوخ المدينة ، فانقطع إليهم ، ودرس علومهم ، وحفظ آراءهم ، واستظهر كثيرا من الأحاديث ، حتى بان فضله ، واشتهر أمره ، وقصده الناس للانتفاع بعلمه وإزالة شكوكهم ، فانقطع عن شيوخه ، وابتدأ في أن يفتي ويستقل بآرائه ، ويدرس العلم للطالبين ، وهو ابن سبع عشرة سنة ، فكان موضع الإعجاب .
كان مهيبا وقورا حليما ، ليس في مجلسه جلبة ولا نميمة ، أمينا على علمه . فقد سئل مرات في مسائل فقال : أنظروني أفكر فيها ، جريئا في رأيه محترما عند الخلفاء .
جلس أبو جعفر المنصور يناظره يوما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرفع صوته معتزا بسلطانه فقال له مالك :
" يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله يقول :
* ( لا نرفعوا أصوتكم فوق صوت النبي ) * ] الحجرات : 2 [ . ومدح الله قوما بقوله :
* ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) *
] الحجرات : 3 [ .
وذم آخرين بقوله :
* ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) * ] الحجرات : 4 [ .
وحرمة الرسول ميتا مثل حرمته حيا " .
فاستكان أبو جعفر وانقاد لما قال .
وكان مالك يقبل هدايا الخلفاء أحيانا ، ولا يتشدد في ردها اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في قبول الهدايا ، ولم يكن ذلك ليمنعه من مواجهة الخلفاء بالحق وردهم إلى الصراط المستقيم .
وقد كانت تلك الهدايا التي يقدمها له الخلفاء وأهل اليسار عونا له على فعل الخير ،
الاستذكار — صفحة 5
مساهمون: يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
ص٥