الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه ، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها
فأشرحت ( 1 ) عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال : يا معشر الروم إنه قد جاءني
كتاب أحمد وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه ، فأسلموا
واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها
مغلقة دونهم ، فخافهم ، وقال : ردوهم علي فردوهم عليه فقال لهم : يا معشر الروم إني إنما قلت
لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له
سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا ( 2 ) . وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل
بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما
فيهما من الفوائد . قال البخاري قبل الايمان ( 3 ) من صحيحه : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ،
ثنا شعيب ( 4 ) عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس
أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بايلياء ، فدعاهم في مجلسه
وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه
نبي ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا ، قال : أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند
ظهره . ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه ، [ قال ]
فوالله لولا [ الحياء من ] ( 5 ) أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عنه ، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال :
كيف نسبه فيكم ؟ قلت هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟
قلت : لا قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا قال : فأشراف الناس اتبعوه أم
ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال :
فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل كنتم تتهمونه
بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا : قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ونحن منه في مدة لا
ندري ما هو فاعل فيها . قال : ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة ، قال : فهل
قاتلتمونه ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا
وننال منه ، قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول
آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ، فقال للترجمان : قل له سألتك عن نسبه
هامش
( 1 ) في البيهقي عن الزهري : فأشرجت عليهم : أي أغلقت .
( 2 ) نقل الخبر البيهقي عن ابن إسحاق عن الزهري في الدلائل 4 / 384 .
( 3 ) في كتاب بدء الوحي فتح الباري ج 1 / 26 .
( 4 ) شعيب : هو شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي وهو من أثبات أصحاب الزهري .
( 5 ) ما بين معكوفين من البخاري .