الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له ، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من
عند الله ، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله ، وأرادونا على
عبادة الأوثان ، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا . قال : والله إن هذا لمن المشكاة ( 1 ) التي خرج
منها أمر موسى . قال جعفر : وأما التحية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام ،
وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا . وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته
ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول . فأخذ عودا وقال : والله ما زاد ابن مريم على هذا
وزن هذا العود . فقال عظماء الحبشة : والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك . فقال : والله لا أقول
في عيسى غير هذا أبدا ، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله . معاذ
الله من ذلك . وقال يونس عن ابن إسحاق ] ( 2 ) فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ
أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم . فلما جاءهم رسول
النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون ؟ فقالوا وماذا نقول ، نقول والله ما نعرف . وما نحن عليه
من أمر ديننا ، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان ، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منه
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه . فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتم
دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ، ولا نصرانية . فقال له جعفر : أيها الملك كنا قوما على الشرك
نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار ، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء
وغيرها ، لا نحل شيئا ولا نحرمه . فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته
فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام ونحمي الجوار ونصلي لله عز وجل ،
ونصوم له ، ولا نعبد غيره .
وقال زياد عن ابن إسحاق : فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا
من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار
والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة ،
وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قال ( 3 ) - فعدد عليه أمور
الاسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم
نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ليفتنونا
عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما
هامش
( 1 ) المشكاة : قال صاحب لسان العرب : " وفي حديث النجاشي : إنما يخرج من مشكاة واحدة . المشكاة : الكوة
غير النافذة ، وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل " أراد أن القرآن والإنجيل كلام الله تعالى ، وأنهما من
شئ واحد .
( 2 ) ما بين معقوفتين لم يرد في ابن هشام ولا في الدلائل .
( 3 ) في ابن هشام : قالت ، أي أم سلمة ، عدوا : في الأصل وأثبتنا ما في ابن هشام .