بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم ، فقال لي علي بن أبي طالب :
هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر - من بني مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون ؟
فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء ( 1 ) من الأرض فنمنا
فيه . فوالله ما أهبنا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " يا أبا تراب " لما عليه من التراب ، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : " ألا
أخبركم بأشقى الناس رجلين ؟ " قلنا بلى يا رسول الله فقال : " أحيمر ( 2 ) ثمود الذي عقر الناقة
والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه - حتى تبل منها هذه - ووضع
يده على لحيته - " وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب
كما في صحيح البخاري : أن عليا خرج مغاضبا فاطمة ، فجاء المسجد فنام فيه فدخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه
ويقول : " قم أبا تراب قم أبا تراب " ( 3 ) .
غزوة بدر - الأولى ( 4 )
قال ابن إسحاق : ثم لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا
تبلغ العشرة ، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه
حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر ، وهي غزوة بدر الأولى ، وفاته كرز فلم يدركه .
وقال الواقدي : وكان لؤلؤه مع علي بن أبي طالب . قال ابن هشام والواقدي : وكان قد استخلف
على المدينة زيد بن حارثة .
قال ابن إسحاق : فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي
ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين ، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز . قال ابن
هشام : ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا . هكذا ذكره
هامش
( 1 ) دقعاء : التراب اللين .
( 2 ) أحيمر ثمود : هو الذي عقر ناقة صالح واسمه قدار بن سالف وقد تقدم .
( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه : في كتاب الصلاة باب نوم الرجال في المسجد عن سهل بن سعد . وأخرجه أيضا
في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب علي - عن سهل بن سعد . وأخرجه في كتاب الأدب باب التكني
بأبي تراب .
( 4 ) قال الواقدي : غزوة بدر الأولى وقعت قبل غزوة العشيرة ، وكانت في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا ،
وأما غزوة العشيرة فكانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا .
( أنظر مغازي الواقدي 1 / 12 - ابن سعد 2 / 9 - الطبري 2 / 291 ) .