محمدا : أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد
عزيرا والنصارى تعبد عيسى . فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا
أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو
مع من عبده في النار ، أنهم إنما يعبدون الشياطين ، ومن أمرتهم بعبادته " فأنزل الله تعالى : ( إن
الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم
خالدون ) [ الأنبياء : 101 - 102 ] أي عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا
على طاعة الله تعالى . ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله : ( وقالوا اتخذ
الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ) [ الأنبياء : 26 - 29 ] والآيات بعدها . ونزل في إعجاب
المشركين بقول ابن الزبعري ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم
هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) [ الزخرف : 57 - 58 ] وهذا الجدل الذي
سلكوه باطل . وهم يعلمون ذلك لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل ، فقوله :
( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) إنما أريد بذلك ما كانوا
يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام ، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم
في هذه الصور ، ولا المسيح ، ولا عزيرا ، ولا أحدا من الصالحين لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا
ولا معنى . فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى :
( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) ثم قال : ( إن هو ) أي عيسى ( إلا عبد
أنعمنا عليه ) أي بنبوتنا ( وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء
حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر ، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من
هذا ، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الأخرى : ( ولنجعله آية للناس ) أي
أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة ( ورحمة منا ) نرحم بها من نشاء .
وذكر ابن إسحاق : الأخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه : ( ولا تطع كل حلاف
مهين ) [ نون : 10 ] الآيات ، وذكر الوليد بن المغيرة حيث . قال : أينزل على محمد وأترك وأنا
كبير قريش وسيدها ، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو ( 1 ) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما
القريتين . ونزل قوله فيه : ( وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم )
[ الزخرف : 31 ] والتي بعدها ، وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط : ألم يبلغني أنك
جالست محمدا ؟ وسمعت منه وجهي من وجهك حرام [ أن أكلمك - وأستغلظ من اليمين - إن
أنت جلست إليه أو سمعت منه ] ( 2 ) إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة - لعنه الله - ،
هامش
( 1 ) في ابن هشام : عمرو بن عمير .
( 2 ) ما بين معكوفتين من سيرة ابن هشام .