فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع ، بما يفوت الحصر . ولما شاهد أهل البساتين
المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا وانتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد ، ومنهم من أودع عند
أهل البلد نفائس أموالهم وأمتعتهم ، والعاقبة إلى خير إن شاء الله تعالى .
وجاءتني فتيا صورتها : ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلاما فأحسن إليه وأعطاه
وقدمه ، ثم إنه وثب على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه ، وتصرف في المملكة ، وأرسل إلى
بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله ، فهل له الامتناع منه ؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى
يقتل يكون شهيدا أم لا ؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص
والمال ؟ أفتونا مأجورين .
فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير : إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى
فهم أعلم بنيته في الذي يقصده ، ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة
راجحة على ذلك ، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه ، وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن
يتقوى بها في جمع الدولة والأمراء عليه ، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولا ، ثم بعد
ذلك بقية المفتيين بطريقه والله الموفق للصواب .
هذا وقد اجتمع على الأمير نائب السلطنة جميع أمراء الشام ، حتى قيل إن فيهم من نواب
السلطنة سبعة عشر أميرا ، وكلهم يحضر معه المواكب الهائلة ، وينزلون معه إلى دار السعادة ، ويمد
لهم الأسمطة ويأكل معهم ، وجاء الخبر بان الأمير منجك الطرجاقسي المقيم ببيت المقدس قد أظهر
الموافقة لنائب السلطنة ، فأرسل له جبريل ثم عاد فأخبر بالموافقة ، وأنه قد استحوذ على غزة
ونائبه ، وقد جمع وحشد واستخدم طوائف ، ومسك على الجادة فلا يدع أحدا يمر إلا أن يفتش ما
معه ، لاحتمال إيصال كتب من ها هنا إلى ها هنا ، ومع هذا كله فالمعدلة ثابتة جدا ، والامن
حاصل هناك ، فلا يخاف أحده وكذلك بدمشق وضواحيها ، لا يهاج أحد ولا يتعدى أحد على
أحد ، ولا ينهب لاحد شيئا ولله الحمد ، غير أن بعض أهل البساتين توهموا وركبوا إلى المدينة
وتحولوا ، وأودع بعضهم نفائس ما عندهم ، وأقاموا بها على وجل ، ذلك لما رأوا المجانيق الستة
منصوبة على رؤوس قلال الأبراج التي للقلعة ، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة والأمراء
كلهم وكتبوا مكتوبا سطره بينهم كاتب السر ، أنهم راضون بالسلطان كارهون يلبغا ، وأنهم لا
يريدونه ولا يوافقون على تصرفه في المملكة ، وشهد عليهم القضاة بذلك ، وأرسلوا المكتوب مع
مملوك للأمير طيبغا الطويل ( 1 ) ، نظير يلبغا بالديار المصرية ، وأرسل منجك إلى نائب السلطنة
هامش
( 1 ) كان طيبغا قد أخلع عليه بأمرية السلاح ( بدائع الزهور 1 / 581 ) وفي النجوم الزاهرة 11 / 4 : " ثم خلع
على الأمير يلبغا . . وصار مدبر المملكة ويشاركه في ذلك خشداشه الأمير طيبغا الطويل ، على أن كل منهما لا
يخالف الآخر في أمر من الأمور " .