خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) [ غافر : 84 - 86 ] وقال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم
كلمت ربك لا يؤمنون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم . قال قد أجيبت دعوتكما )
الآية [ يونس : 96 ] . ثم حضر في يوم آخر وهو مصمم على ضلاله فضرب بالسياط ، فأظهر
التوبة ثم أعيد إلى السجن في زنجير ، ثم أحضر يوما ثالثا وهو يستهل بالتوبة فيما يظهر ، فنودي
عليه في البلد ثم أطلق .
وفي ليلة الثلاثاء الرابع عشر طلع القمر خاسفا كله ولكن كان تحت السحاب ، فلما ظهر
وقت العشاء وقد أخذ في الجلاء صلى الخطيب صلاة الكسوف قبل العشاء ، وقرأ في الأولى بسورة
العنكبوت وفي الأخرى بسورة يس ، ثم صعد المنبر فخطب ثم نزل بعد العشاء . وقدمت كتب
الحجاج يخبرون بالرخص والامن ، واستمرت زيادة الماء من أول ذي الحجة وقبلها إلى هذه الأيام
من آخر هذا الشهر والامر على حاله ، وهذا شئ لم يعهد كما أخبر به عامة الشيوخ ، وسببه أنه جاء
ماء من بعض الجبال انهال في طريق النهر .
ودخل المحمل السلطاني يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من المحرم قبل الظهر ، ومسك أمير
الحاج شركتمر المارداني الذي كان مقيما بمكة شرفها الله تعالى ، وحماها من الأوغاد ، فلما عادت
التجريدة مع الحجاج إلى دمشق صحبة القراسنقر من ساعة وصوله إلى دمشق ، فقيد وسير إلى
الديار المصرية على البريد ، وبلغنا أن الأمير سند أمير مكة غرر بجند السلطان الذين ساروا صحبة
ابن قراسنقر وكبسهم وقتل من حواشيهم وأخذ خيولهم ، وأنهم ساروا جرائد بغير شئ مسلوبين
إلى الديار المصرية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفي أول شوال اشتهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية بسبب كثرة المستنقعات من
فيض النيل عندهم ، على خلاف المعتاد ، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين ، فأما
المرض فكثير جدا ، وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الاشغال ، وغلا السكر والأمياه والفاكهة
جدا ، وتبرز السلطان إلى ظاهر البلد وحصل له تشويش أيضا ، ثم عوفي بحمد الله .
وفي ثالث ربيع الآخر قدم من الديار المصرية ابن الحجاف رسول الله صاحب العراق لخطبة
بنت السلطان ، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يصدقها مملكة بغداد ، وأعطاهم مستحقا سلطانيا ،
وأطلق لهم من التحف والخلع والأموال شيئا كثيرا ، ورسم الرسول بمشترى قرية من بيت المال
لتوقف على الخانقاه التي يريد أن يتخذها بدمشق قريا من الطواريس ؟ ، وقد خرج لتلقيه نائب
الغيبة وهو حاجب الحجاب ، والدولة والأعيان . وقرأت في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر كتابا
ورد من حلب بخط الفقيه العدل شمس الدين العراقي من أهلها ، ذكر فيه أنه كان في حضرة
نائب السلطنة في دار العدل يوم الاثنين السابع عشر من ربيع الأول وأنه أحضر رجل قد ولد له ولد
عاش ساعة ومات ، وأحضره معه وشاهده الحاضرون ، وشاهده كاتب الكتاب ، فإذا هو شكل
البداية والنهاية — صفحة 316
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٦