ولما كان يوم السبت الثاني من جمادي الأولى خرج الجيش بكماله لتلقي نائب السلطنة
الأمير سيف الدين يلبغا فدخل في تجمل عظيم ، ثم جاء فنزل عند باب السر ، وقبل العتبة على
العادة ثم مشى إلى دار السعادة .
وفي عشية يوم الاثنين رابع عشره قطع نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الحبس ثلاثة عشر
رجلا وأضاف إلى قطع اليد وقطع الرجل من كل منهم ، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم ، وصلب
ثلاثة بالمسامير ممن وجب قتله ، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين وأهل الشرور ، والعيث
والفساد .
واشتهر في العشر الأوسط من جمادى الآخرة وفاة الأمير سيف الدين تغردمر بعد وصوله إلى
الديار المصرية بأيام ، وكان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر ، وذكر أنه رسم على ولده وأستاذ
داره ، وطلب منهم مال جزيل ، فالله أعلم .
وفي يوم الاثنين ثاني عشره توفي القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم ببستانه
بالصالحية ودفن بها ، وذلك بعد عود المدرسة الظاهرية إليه ، وأخذه إياها من عمه القاضي عماد
الدين إسماعيل ، كما قدمنا ، ولم يدرس فيها إلا يوما واحدا ، وهو متمرض ، ثم عاد إلى الصالحية
فتمادى به مرضه إلى أن مات رحمه الله .
وخرج الركب إلى الحجاز الشريف يوم السبت حادي عشر شوال ، وخرج ناس كثير من
البلد ، ووقع مطر عظيم جدا ، ففرح الناس به من جهة أن المطر كان قليلا جدا في شهر رمضان ،
وهو كانون الأصم ، فلما وقع هذا استبشروا به وخافوا على الحجاج ضرره ، ثم تداول المطر وتتابع
ولله الحمد والمنة ، لكن ترحل الحجاج في أوحال كثيرة وزلق كثير ، والله المسلم والمعين والحامي .
ولما استقل الحجيج ذاهبين وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فعوقهم أياما بها ، ثم تحاملوا إلى
زرع فلم يصلوها إلا بعد جهد جهيد وأمر شديد ، ورجع كثير منهم وأكثرهم ، وذكروا أشياء
عظيمة حصلت لهم من الشدة وقوة الأمطار وكثرة الأوحال ، ومنهم من كان تقدم إلى أرض
بصرى ، فحصل لهم رفق بذلك والله المستعان . وقيل إن نساء كثيرة من المخدرات مشين حفاة فيما
بين زرع والصميين وبعد ذلك ، وكان أمير الحاج سيف الدين ملك آص وقاضيه شهاب الدين بن
الشجرة الحاكم بمدينة بعلبك يومئذ والله المستعان ، انتهى .
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وسبعمائة
استهلت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك
الكامل سيف الدين شعبان بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون ، وليس له بمصر
نائب ، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها ، ونائب دمشق الأمير سيف الدين يلبغا
البداية والنهاية — صفحة 251
مساهمون: ابن كثير
ص٢٥١