إلى صيدنايا مع بعض القسيسين فلوث يده بالعذرة وضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك ، وأهانها
غاية الإهانة لقوة إيمانه وشجاعته رحمه الله وإيانا .
وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال ، ومشد الأوقاف
ومباشرو الجامع ومعهم العمالين بالقول والمعاول ، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي
تحت تلك الصخرة التي كانت هناك ، وذلك عن قول رجل جاهل ، زعم أن هناك مالا مدفونا
فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر ، واجتمع الناس والعامة فأمرهم فأخرجوا وأغلقت أبواب
الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر ، ثم حفروا ثانيا وثالثا فلم يجدوا شيئا إلا التراب المحض ، واشتهر
هذا الحفير في البلد وقصده الناس للنظر إليه والتعجب من أمره ، وانفصل الحال على أن حبس هذا
الزاعم لهذا المحال ، وطم الحفير كما كان .
وفي يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب على البريد
مجتازا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة ، وأخبر أنه صلى على المحدث البارع الفاضل الحافظ شمس
الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي المضري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب رحمه الله
ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة ، وكان قد أتقن طرفا جيدا في علم الحديث ، وحفظ أسماء
الرجال ، وجمع وخرج .
وفي مستهل ربيع الاخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي
بالقرب من جامع المظفري ، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبا من مائة وعشرين دكانا ، ولم
ير حريق من زمان أكبر منه ولا أعظم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الجمعة سادسه رسم
بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الجامع ، ففعل ذلك . وفي
يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين السبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان
السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده ، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا ، فجاء شاد
الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الأيتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهرا ،
ودفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني ، ووقع أمر كثير لم يعهد مثله .
وفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العلامة الناقد البارع
في فنون العلوم شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ،
تغمده الله برحمته ، وأسكنه بحبوحة جنته ، مرض قريبا من ثلاثة أشهر بقرحة وحمى سل ، ثم
تفاقم أمره وأفرط به إسهال ، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر ، فأخبرني والده أن
آخر كلامه أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، اللهم اجعلني من
التوابين واجعلني من المتطهرين . فصلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفري وحضر جنازته قضاة
البلد وأعيان الناس من العلماء والأمراء والتجار والعامة ، وكانت جنازته حافلة مليحة ، عليها
البداية والنهاية — صفحة 243
مساهمون: ابن كثير
ص٢٤٣